محمد [1] ـ يؤخذ منه الكفيل؛ ولهذا لا يحبس عندهما في دعوى حد القذف والقِصاص، ولا خلاف أنه لا تكفيل بنفس الحدود والقِصاص؛ لأن النيابة لا تجزئ في إيفائهما، والمقصود من الكفالة إقامة الكفيل مقام المكفول عنه في الإيفاء، وهذا لا يتحقق في شيء من الحدود" [2] ."
فانظر كيف اعتمد الإمام ـ يرحمه الله ـ على مقصد الكفالة ـ هو إقامة الكفيل مقام المكفول عنه ـ في الوصول للحكم في المسألة، كما أن فيه ـ من جهة أخرى ـ مراعاة لجانب مقصد الشارع من الحدود، وهي الزجر والردع، فلو تكفلت الأم بالحد عن ابنها، أو الأخ عن أخيه، لَمَا تحقق الزجر المطلوب.
ثانيًا: كتابة العقود في البيع وغيره:
وللنظر المقاصدي في هذا المثال دور في تحديد صفات الشيء المعقود عليه وتوثيقه؛ فقد ندب الشرعُ الكتابةَ في البيوع والديون حفظًا لحقوق العباد، قال السرخسي:"والمقصود بالكتاب التوثيق، فليكتب على أحوط الوجوه، ويتحرز فيه عن طعن كل طاعن" [3] .
فكل ما مِن شأنه أن يحدد المشتَرَى تحديدًا مميزًا بحيث لا يختلط به شيء، ويكون موثَّقًا ومعرَّفًا أتم ما يكون التوثيق والتعريف، ويمنع أن يختلط به غيره، أو يتشابه معه مشترًى آخر ـ فهذا أمر مطلوب؛ لأنه يحقق المقصد من الكتابة، وهو التوثيق والتعريف؛ لتحفظ به حقوق العباد.
ثالثًا: تغليظ العقوبة وتنوعها:
إذا كانت الجناية شَتْمًا قبيحًا فإن المقصد من عقوبة الشاتم هو انزجاره وردعه، وليس للشتم عقوبة مقدرة، فيصار إلى التعزير، وهو موكول إلى الإمام، وقد جاء في مختصر القدوري:"وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزيرِ الحبسَ، فعَل"، قال في الشرح:"لأن التعزير موقوف على رأي الإمام، والمقصود منه الردع والزجر، فإذا رأى أن الشاتم لا يرتدع بالضرب حبسه أيضًا، وإن كان يرتدع لا يحبسه" [4] .
(1) هو محمد بن الحسن بن فرقد (131 - 189 هـ = 748 - 804 م) ، من موالي بني شيبان، أبو عبدالله: إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، وولد بواسط، ونشأ بالكوفة، فسمع من أبي حنيفة، وغلب عليه مذهبه وعرف به، قال الشافعي: (لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلتُ؛ لفصاحته) ، ونعته الخطيب البغدادي بإمام أهل الرأي، له كتب كثيرة في الفقه والأصول، منها: (المبسوط - خ) في فروع الفقه، و (الزيادات - خ) ، و (الجامع الكبير - ط) ، و (الجامع الصغير - ط) ، و (الآثار - ط) ، و (السير - ط) ، الأعلام للزركلي: 6/ 80، وسير أعلام النبلاء: 9/ 134، وما بعدها.
(2) شرح فتح القدير: 5/ 342، دار الفكر، بيروت.
(3) المبسوط للسرخسي: 7/ 62، دار المعرفة، بيروت، وانظر: الفتاوى الهندية: 6/ 294، دار الفكر، 1411 هـ ـ 1991 م.
(4) الجوهرة النيرة في شرح مختصر القدوري في فروع الحنفية: 5/ 176، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي اليمني الزبيدي، بدون بيانات.