فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 89

فمثلًا: لو عرف المسلمون مقاصد ومرامي ما جاء في دينهم من أحكام المياه، والوضوء، والغسل، والتيمم، والاستنجاء، والسواك، وخصال الفطرة، وطهارة الثوب والبدن والمكان في الصلاة، ومن النهي عن تنجيس الطرق وأماكن الجلوس، وعن الروائح الكريهة ـ لما رأيت دنياهم تملؤها الأوساخ والأزبال والقذارات، ولكانوا آية من آيات الله، وحجة من حجج دين الله، ولو عرفوا الأبعاد التربوية والحضارية للصلاة لتعلموا منها ضبط أعمالهم ومواقيتهم، واحترام مواعيدهم، وتنظيم صفوفهم، وترتيب شؤونهم، ولتخلَّصوا من أدرانهم ورذائلهم وانعزالهم وانكماشهم وأنانيتهم وعشوائيتهم، وهكذا يقال في سائر أحكام الشريعة [1] .

ومن شأن العلم بذلك أيضًا أن يعمل على وضوح الرؤية لدى المكلف، فلا يأتي بما ينافي مقصود الشارع كما سبق، وكذلك يعمل على طمأنينة [2] المكلف إلى الشرع، وهذا يحمله على مزيد من الإتقان، كما يحمله على تبليغه والدعوة إليه والدفاع عنه؛ ولهذا قال الله لنبيه: {المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 1، 2] ، ولا يتصور أن يخلو صدر الداعية من حرج حين لا يعلم مقصود الشارع من شرعه، ولن يكون الإنذار ذكرى للمدعوين من المؤمنين، ولن يؤتي أكله مع غير المؤمنين إلا إذا زال هذا الحرج من صدر الداعية، ولا يكون ذلك إلا بالوقوف على أهداف وغايات ومقاصد التشريع والرسالة.

ولا غَرْوَ أنْ طلب إبراهيم ـ عليه السلام ـ من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى مع إيمانه التام بطلاقة القدرة الإلهية: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ،"فأجاب الله دعوته، وأراه وعلَّمه، وأفهمه وطمأنه" [3] .

إذًا فمعرفة مقصود الحكم الشرعي من شأنه أن يطمئن المكلف، ويعمل على حسن تطبيقه للحكم، بعدم تحقيق العكس من مقصوده، وبهذا تؤتي الأحكام الشرعية ثمارها عند تطبيقها، وتؤدي نتائجها وفوائدها في النفس والمجتمع والأمة.

(1) الفكر المقاصدي: 96

(2) انظر حجة الله البالغة: 1/ 8.

(3) الفكر المقاصدي: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت