فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 89

يراعيه قد يتوقف عند الباب منتظرًا الإذن له بالدخول، ولكنه قد يرسل بصره داخل البيت عبر بابه أو نوافذه؛ فهذا قد التزم بالاستئذان التزامًا عمليًّا صوريًّا، ولكنه انتهكه من حيث مقصوده [1] .

ومثال آخر من الأمثلة التي يكثر حولها الشغب بين الملتزمين ـ غير المتعمقين في مقاصد الشرع ومراميه ـ وهو الأمر بتقصير الثياب، أو النهي عن إسباله.

روى مسلم عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ) )، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: (( المسبل، والمنان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب ) ) [2] .

وذكر جمع غفير من العلماء ـ سبق بيانهم ـ أن هذا الوعيد محمول على من أسبل ثوبه كبرًا وبطرًا، وذلك بجمع النصوص التي وردت في هذا الموضوع، فنتج عن مجموع النصوص تقييد إطلاق هذا الوعيد بالكبر والبطر والخيلاء.

ونحن نتساءل هنا: ماذا لو أسبل ثيابه لغير بطر ولا كبر ولا مخيلة، هل ينطبق عليه هذا الوعيد الشديد، وندخل بذلك شعوبًا كاملة في نار جهنم؟ إنه بذلك قد فعل النهي شكلًا، ولكن لم يحصل مقصوده مضمونًا.

ونتساءل من جهة أخرى: ماذا لو قصر ثوبه تخايلًا على الناس بأنه يقيم السنة، وبطرًا وكبرًا واحتقارًا للآخرين؛ لأنهم منفلِتون عن الشرع متسيبون معادون للسنة؟ إنه يكون قد التزم شكلًا بالحكم، ولكنه حقق المقصود من النهي عن ضده، فانظر إلى أي حد تكون الخطورة!

وما أروع ما ذكره ابن الجوزي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن حلة اشتريت له بسبعة وعشرين بعيرًا، وكان لتميم الداري حلة اشتريت بألف درهم، يصلي فيها بالليل، ثم قال لله دره:"فجاء أقوام، فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم تطلبوا لها الدليل، وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع طريقًا ويتطلب دليلها، ثم انقسموا: فمنهم متصنع في الظاهر، ليث الشرى في الباطن، يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات، ويُري الناس بزيه أنه متصوف متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظر إلى أحواله فعنده كبر فرعون" [3] .

ومن هنا يتبين لنا خطورة قيام المكلف بالتكليف دون معرفة مقصوده، ودون علمه بالغاية التي شرع لها الحكم، كما يتبين لنا الأهمية البالغة لأن يتفقه المكلف بمقاصد الأحكام والتعرف إلى الغايات التي شرعت لها الأحكام بشيء من التفصيل والتحديد ما أمكنه ذلك.

(1) (( الفكر المقاصدي: 96 - 97.

(2) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، والمنفِّق (بتشديد الفاء المكسورة) : المروِّج؛ أي: الذي يسعى إلى نفاقها ورواجها.

(3) صيد الخاطر: 29، أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، تحقيق: عبدالقادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ/ 1992 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت