ثالثًا: على مدى هذا التأريخ لم نجد تطورًا ملحوظًا في تناول هذا الموضوع، كما هي العادة المتبعة في تطور العلوم وتاريخ نشأتها، سوى الانتقال من الحديث غير المستقل المخصوص المنثور في تضاعيف الكتب إلى الحديث المستقل المخصوص عن الموضوع، وربما لم يكن هذا مقصودًا ومخصوصًا بالمقاصد الجزئية، وكنا ننتظر أن يحدث التطور بعد الاستقلال في التأليف؛ حيث التأصيل والتطوير والتوسيع والتعميق، كما يحدث في كل علم، ولكن هذا ما لم يحدث؛ حيث ظل الجمع بين الآثار والمحاسن والحكم والأسرار وغيرها في صعيد واحد، دون تمييز بين هذا كله، وبيان أثر هذا التمييز فقهيًّا وأصوليًّا؛ فالتناول واحد تقريبًا لم يختلف عبر تاريخ التأليف المستقل.
رابعًا: لاحظت أن الاهتمام بالمقاصد ارتبط بعلماء إصلاحيين ومجددين وفترات نهضة وتطوير، وحسبنا أن الذي أحيا الاهتمام بالفكر المقاصدي عمومًا في عصرنا هو الإمام محمد عبده، الذي كان عصره عصر تطوير ونهضة، فكان له الفضل في لفت الأنظار إلى الشاطبي وجهوده المقاصدية، ونفض التراب عن الموافقات، وطبعه وتدريسه وتوصيته به، ثم تبعه بعد ذلك تلامذته الذين أسهموا بنصيب وافر في هذا المجال، أمثال ابن عاشور والفاسي والخضري، ومن ذكرناهم مؤخرًا قبل الملاحظات.
وقد كتب كتاب"مذكرة في حكمة التشريع الإسلامي، قسم العبادات"، في عهد تطوير الأزهر وتعديل مناهجه ـ كما قال المؤلفان ـ بما يتلاءم مع فلسفة العصر وحاجة المجتمع [1] ؛ حيث إن البحث عن أسرار التشريع ـ كما جاء في الكتاب ـ كان وليد الحاجة إليه في العصر الحاضر، وفي العصور الأولى كان البحث مقصورًا على استنباط الأحكام والدفاع عنها، ودفع الشبهات والاعتراضات الواردة عليها، ولا يتحدثون عن الحكمة قصدًا، بل كانوا يذكرونها عرَضًا [2] .
خامسًا: ارتبط أيضًا الاهتمام بالتفكير المقصدي بفترات مواجهة مع أعداء، وجهاد ضد محتلين ـ ابن تيمية وابن القيم، وابن عبدالسلام، والشاطبي، وابن عاشور، وعلال الفاسي نماذج واضحة تاريخيًّا ـ وهذا يؤسس لأهمية جديدة للمقاصد، وما لها من دور في تحرير الأرض ومقاومة العدو.
سادسًا: ارتبطت أيضًا بفترات الغزو الفكري، وإثارة الشبهات، وفترات الضعف الحضاري الإسلامي حين تصبح الأمة المسلمة هي الطرف الضعيف في العالم، وهنا تتراوح ردود الفعل بين تقوقُع وتخندُق؛ حفاظًا على الهوية، وبين
(1) مذكرة في حكمة التشريع الإسلامي قسم العبادات، لأحمد محمد ندا وطنطاوي مصطفى: 5، وتجدر الإشارة إلى أن الأزهر تم تطويره أكثر من مرة، منها: 20 من محرم 1314 هـ = 1 من يوليو 1896 م؛ حيث صدر قانون تطوير الأزهر في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، ثم بدأت جامعة الأزهر في ثوبها المعاصر سنة 1930 م مع قانون إصلاح الأزهر؛ حيث أسست كليتان هما اللغة العربية والشريعة، ثم قانون رقم 103 لعام 1961 وهو قانون تطوير الأزهر؛ حيث أصبحت جامعة الأزهر تتكون من الكليات الآتية: كلية أصول الدين، وكلية الشريعة، وكلية المعاملات والإدارة، وكلية البنات الإسلامية، وكلية الهندسة، وكلية الطب، وكلية الزراعة.
(2) راجع مذكرة في حكمة التشريع الإسلامي: 4، وهذه لفتة أخرى إلى أهمية دراسة المقصد الجزئي تفصيلًا، فضلًا عن الدراسة التأصيلية، بعد اللفتة التي ذكرناها عند علي أحمد الجرجاوي سابقًا.