فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 89

وجعل ابن دقيق العيد ذلك باعثًا على تعظيم الأولين، قال وهو يتكلم عن مشروعية الرمَل في الطواف واستحبابه مطلقًا في طواف القدوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، قال:"وإن كانت العلة التي ذكرها ابن عباس [1] قد زالت، فيكون استحبابه في ذلك الوقت لتلك العلة وفيما بعد ذلك تأسيًا واقتداء بما فعل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك من الحكمة: تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي تذكرها مصالح دينية؛ إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس في ذلك، وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيرًا من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال فيها: إنها تعبد ـ ليست كما قيل، ألا ترى أنا إذا فعلناها وتذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، فكان هذا التذكر باعثًا لنا على مثل ذلك، ومقررًا في أنفسنا تعظيم الأولين، وذلك أمر معقول" [2] .

بل جعل العلامة المحقق ابن قيم الجوزية معرفة الحكم والمقاصد والأسرار بابًا ينقل العبد من مجرد الامتثال إلى المحبة والمعرفة والحمد والإجلال، فقال:"إن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديًا ينادي للإيمان بها علمًا وعملًا؛ فيقصد إجابة داعيها ولكن مراده ـ أي الهروي صاحب منازل السائرين ـ بداعي الحكم الأسرار والحكم الداعية إلى شرع الحكم، فإجابتها قدر زائد على مجرد الامتثال؛ فإنها تدعو إلى المحبة والإجلال والمعرفة والحمد، فالأمر يدعو إلى الامتثال، وما تضمنه من الحكم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة" [3] .

ومن هنا لم يكن غريبًا أن تشفع كثير من نصوص القرآن والسنة ببيان الهدف من أحكامها، سواء أكان في المأمورات بذكر الأجر والثواب المترتب على القيام بها، أم في المنهيات بذكر الإثم والعقوبات المترتبة على إتيانها، وفي ذلك ما فيه من تحفيز الناس على السرعة والزيادة في الامتثال والانقياد، والإتقان في العمل، والاستمرار بحب ورضا وحمد وإجلال، وليس مجرد الامتثال والسمع والطاعة فقط، وإلا لَمَا كان في ذكر النصوص لذلك معنى.

لقد أورد د. الريسوني عددًا من النصوص من هذا القبيل في القِصاص، والتيمم، والزنا، والغِيبة، وإتيان النساء أثناء الحيض، وهي أمثلة معروفة مقاصدها ومنصوصة، ثم قال:"فمن شأن هذه التعليلات المرافقة للأحكام، المنبهة على"

(1) العلة المقصودة هنا والتي ذكرها ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ هي ما رواه البخاري من حديث ابن عباس قال:"قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفدٌ وهنهم حمى يثرب، وأمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم"؛ صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب: عمرة القضاء.

(2) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: 316، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد (المتوفى: 702 هـ) ، تحقيق: مصطفى شيخ مصطفى، ومدثر سندس، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1426 هـ / 2005 م، ونلاحظ هنا أن ابن دقيق العيد اعتبر المعاني والحكم والأسرار والمقاصد في العبادات.

(3) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: 1/ 132، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، أبو عبدالله، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1393 هـ/ 1973 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت