فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 89

وقال ابن عاشور:"وفي الإعلام بالعلة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال؛ إذ يصير عالمًا بالحكمة" [1] .

ويقول د. أحمد الريسوني:"إن معرفة مقاصد الأعمال تحرك النشاط إليها، وتدعو إلى الصبر والمواظبة عليها، وتبعث على إتقانها والإحسان فيها" [2] .

ولا يعني هذا أن العبد لا يمتثل أو ينقاد لأمر الله ويقبل على تنفيذ حكمه إلا بمعرفته للمقصد أو أسرار الأحكام، وإنما يكفي أنه أمرُ الله أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا وحده كافٍ للامتثال والانقياد والاستمرار؛ ولهذا فإننا نتحدث هنا عن"الزيادة"في هذه المعاني، وليس مجرد الإتيان بها؛ إذ"المقصود أن الحكم الشرعي لا يخلو عن حكمة ومصلحة، لكن قد تعلم هذه الحكمة فيسهل الامتثال" [3] .

ويقول المناوي في كلام نفيس:"من فقه عن الله أمره ونهيه، وعلم لماذا أمر ونهى، تعاظم لذلك وكبر في صدره شأنه، وكان أشد تسارعًا لما أمر، وأشد هربًا مما نهى؛ فالفقه في الدين جند عظيم، يؤيد الله به أهل اليقين الذين عاينوا محاسن الأمور ومشائنها وأقدار الأشياء وحسن تدبير الله تعالى في ذلك لهم بنور يقينهم ليعبدوه على بصيرة وطمأنينة، ومن حُرم ذلك عبَده على مكابدة وكُره؛ لأن القلب وإن أطاع وانقاد لأمر الله فالنفس إنما تنقاد إذا رأت نفع شيء أو ضره، والنفس والشيطان جندهما الشهوات؛ فيحتاج الإنسان إلى أضدادهما من الجنود ليقهرهما، وهو الفقه" [4] .

فليس من المعقول أن يستوي العبد الذي يعرف هدف الحكم مع العبد الذي لا يعرف، في سرعة الامتثال، وفي الانقياد، وكذلك الاستمرار والإتقان، وهذا لا يُعَد قدحًا في عبودية العبد أو عقيدته، فهناك حد أدنى من الامتثال والانقياد والاستمرار والأداء لا يجوز لأحد النزول عنه، سواء علم مقاصد الأحكام أم لم يعلمها، وإنما يتفاوت العباد في درجات هذه المعاني ويتفاضلون بقدر معرفتهم بما نحن بصدد الحديث عنه.

ولهذا قال الأصفهاني:"وإنما غلب ثبوت الحكم بالعلة في الشرع؛ لأن تعقل العلة في الحكم أقرب إلى الانقياد والقبول من التعبُّد المحض" [5] .

(1) التحرير والتنوير: 13/ 224.

(2) مدخل إلى مقاصد الشريعة: 15 - 16.

(3) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة: 357، محمد بن حسين بن حسن الجيزاني، دار ابن الجوزي، الطبعة الخامسة، 1427 هـ.

(4) فيض القدير: 2/ 647 - 648، وهذا المعنى يتردد كثيرًا في"الفيض"حينما يتحدث عن الفقه في الدين والفهم عن الله، أو حينما يتعرض لشرح حديث: (( مَن يُرد الله به خيرًا، يفقِّهْه في الدين، ويلهمه رشده ) ).

(5) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب: 3/ 108 - 109، شمس الدين أبو الثناء محمود بن عبدالرحمن بن أحمد الأصفهاني، تحقيق: د. محمد مظهر بقا، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مركز إحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1406 هـ / 1986 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت