فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 89

ثالثًا: كيفية قتال البُغاة:

البُغاة هم أصحاب شوكة ومنعة خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، وقتال البغاة ليس المقصود منه قتلهم أو الإجهاز عليهم، وإنما مقصد قتالهم أو التعامل معهم هو ردهم إلى حظيرة الجماعة المسلمة؛ ولهذا يجب أن يسلك معهم كل الوسائل الممكنة بعيدًا عن القتل لتحقيق المقصد، وهو إقناعهم بالحق عبر الحوار النافع والحجج الناجعة، وإرجاعهم بكل الوسائل الممكنة إلى طاعة الإمام وجماعة المؤمنين، ولا يجوز أن تتخذ إجراءات تأتي على هذا المقصد بالإبطال.

ولهذا قال الإمام النووي:"طريقها ـ أي كيفية قتال البغاة ـ طريق دفع الصائل، والمقصود ردُّهم إلى الطاعة، ودفع شرهم، لا النفي والقتل، فإذا أمكن الأسرُ لا يقتل، وإذا أمكن الإثخان لا يذفف، فإن التحم القتال واشتدت الحرب خرج الأمر عن الضبط، قال الإمام: وقد يتخيل من هذا أنا لا نسير إليهم ولا نفاتحهم بالقتال، وأنهم إذا ساروا إلينا لا نبدأ بقتالهم، بل نصطف قبالتهم، فإن قصدونا دفعناهم، قال: وقد رأيت هذا لطائفة من الأصحاب، وهو خطأ، بل إذا آذنهم الإمام بالحرب ولم يرجعوا إلى الطاعة سار إليهم ومنعهم من القُطر الذي استولوا عليه، فإن انهزموا وكلمتُهم واحدة اتبعناهم إلى أن يتوبوا ويطيعوا، وليس قتال الفريقين كصِيال الواحد ودفعِه، ويتعلق بكيفية قتالهم مسائل:"

الأُولى: لا يُغتالون ولا يُبدَؤون بالقتال حتى يُنذَروا، فيبعث الإمام إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا، فإذا جاءهم سألهم ما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة وعللوا مخالفتهم بها أزالها، وإن ذكروا شبهة كشفها لهم، وإن لم يذكروا شيئًا أو أصروا بعد إزالة العلة نصحهم ووعظهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة، فإن أصروا دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا فغلبوا وأصروا مكابرين آذنهم بالقتال، فإن استنظروا بحث الإمام عن حالهم واجتهد، فإن ظهر له أنهم عازمون على الطاعة، وأنهم يستنظرون لكشف الشبهة أو التأمل والمشاورة أنظرهم، وإن ظهر له أنهم يقصدون الاجتماع أو يستلحقون مددًا لهم لم ينظِرهم، وإن سألوا ترك القتال أبدًا لم يجبهم، وحيث لا يجوز الإنظار فلو بذلوا مالًا ورهنوا أولادهم والنساء لم يقبله؛ لأنهم قد يقوون في المدة ويظهرون على أهل العدل ويستردون ما بذلوه، وإذا كان بأهل العدل ضعفٌ، أخَّر القتال، ونص في الأم أنه لو كان عندهم أسارى من أهل العدل فسألوا ـ والحرب قائمة ـ أن يمسك ليطلقوهم وأعطوا بذلك رهائن، قبِلْنا، فإن أطلقوا الأسارى أطلقنا الرهائن، وإن قتلوهم لم يجز قتل الرهائن، بل لا بد من إطلاقهم بعد انقضاء الحرب" [1] ."

وبهذا يتبين لنا أننا يجب أن نسلك معهم ما يحقق لنا المقصود من التعامل معهم؛ إذ القتل لا يحقق لنا المقصود، ولا يصح أن يكون حلًّا إلا بعد استنفاد كل وسيلة، وسلوك كل مسلك، واتخاذ كل سبب من حوار، وإنذار، وإنظار، وإقامة للحجة، وإعادتهم قسرًا، وما إلى ذلك، ولا يخفى أن هذا كله دوران مع مقصود التعامل معهم.

(1) روضة الطالبين: 10/ 57، وانظر الأم: 4/ 217، وما بعدها، دار المعرفة بيروت، 1393 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت