كما أن له رسائل أخرى تدل على وضوح هذا المسلك عنده، مثل: باب في شأن النية، وباب في تفسير حب الدنيا، وباب في حقيقة بسم الله، وباب في الحمد، وغير ذلك [1] .
يرى الحكيم أن علل الأمر والنهي ـ رغم الآراء التي أوردها وتلجئ ذلك للتعبد والاختبار والابتلاء ـ قائمةٌ، علِمها مَن علمها، وجهِلها مَن جهلها، كما يرى أن الله تعالى فضَّل العلماء بهذا العلم، وهو العلم النافع [2] .
والحكيم الترمذي في كتابه:"المنهيات"يعتمد على الأحاديث النبوية التي نَهَتْ عن أمور لا يليق بالمسلم أن يأتيها، وبعضها يحرم إتيانه؛ فالنهي ـ كما بين الحكيم ـ منه نهي تأديب، ومنه نهي تحريم؛ فمن ترك الأدب انحط عن درجته، ومن وثب على التحريم سقط في الهلكة [3] .
وموضوع الكتاب ـ كما يقول المحقق ـ هو الأخلاق الدِّينية، والفضائل السلوكية، والآداب الاجتماعية، فيأتي في البداية بحديث النهي، ثم يتبعه بالشرح والتحليل؛ حتى يوضح جوانبه، ويكشف النقاب عن الحكمة من ورائه، مستندًا في ذلك إلى القرآن والسنَّة، وما ذهب إليه العلماء، وأسلوبه واضح ودقيق ومتجرد وموضوعي [4] .
وبالنظر في الأمثلة التي أوردها الكتاب وجدنا أن معظمها يدخل في باب السلوكيات والأخلاق والمروءات التي تجعل المرء إنسانًا كريمًا فاضلًا، ولا يمنع هذا أن يكون في بعض المواضع ما يمكن أن يكون سبيلًا للتعرف على المقصد من الحكم الشرعي الجزئي.
ومثال ذلك ما جاء تحت عنوان: كشف ما يحدث في الجماع؛ حيث أورد النهي عن أن يتحدث الرجل بما يخلو به مع أهله، أو المرأة بما تخلو به مع زوجها، ثم قال:"فهذا فعل مستور، فيه حشمة وحياء؛ فإخفاؤه أستر، فإذا حدَّث به ووصَفه فمَثله كمَثل شيطان لقِي شيطانة، فأتاها على قارعة الطريق؛ لأن الحديث بذلك داعٍ إلى الفتنة والبلاء، فربما حدَّث بشيء يسيرٍ يَسْبي قلبه بذلك إلى امرأته، وتسبي المرأة قلبها بذلك إلى زوجها" [5] .
ومن هذا الكلام النفيس يمكن أن نصل إلى المقصد أو المقاصد ـ إن أردنا الدقة ـ من هذا النهي، ومنها: منع الفتنة وسد ذرائعها، وحفظ العِرض، وهو إحدى الكليات الست في الضروريات الذي اعتبره البعض، وغير ذلك من أمثلة يمكن الوقوف على مقصد أو مقاصد النهي فيها من خلال الكلام الخلقي والسلوكي للحكيم رحمه الله.
(1) راجع منازل القربة للحكيم الترمذي، تحقيق د. خالد زهري، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة نصوص ووثائق رقم 3، الطبعة الأولى، 1423 هـ / 2002 م، وقد أورد زهري هذه الرسائل في صورة ملاحق أضافها للكتاب المذكور وألحقها به.
(2) انظر إثبات العلل: 67، 69.
(3) المنهيات: 24، لأبي عبدالله محمد بن علي الحكيم الترمذي، دراسة وتحقيق: محمد عثمان الخشت، مكتبة القرآن، القاهرة، بدون طبعة وتاريخ.
(4) المنهيات: 17.
(5) المنهيات: 44 - 45.