فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 183

وحتى إذا صدقتْ بعض النوايا في تبرير هذا الاهتمام فإن المرأة المتحضرة التي تعطف على الكلاب وترعاهم مسبوقة في تحضرها بطرح الإسلام الحضارى المعتدل المقبول، لكن مقررات الإسلام تكتسب العمق والانسجام مع الفطرة فالرحمة بالحيوان عندنا رحمة عامة، وعلاقة الإنسان بالحيوان علاقةٌ طبيعيةٌ معتدلةٌ لا تجفُّ مواردها إلى أطباع الجلافة والخشونة ولا يطفح بها كيل المواددة وتصل إلى حد انعدام الفوارق بين أولاد آدم وأولاد الكلاب!.

وقد وصف الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأنه رحمةٌ لكل مخلوقٍ قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [1] والحيوانات من جملتهم فكانت رحمته - صلى الله عليه وسلم - شاملةً عامةً، ولا تزال تتجلى في رياض سنته الطاهرة التي يخبر فيها أصحابه عن رجلٍ وجد كلبًا يلهث من العطش فنزل بئرًا فملأ خفه ماءً وسقى الكلب حتى رَوى ويخبر أصحابه أن الله شكر هذا الصنيع لهذا الرجل وغفر له، وعندئذ يسأله أصحابه: إن لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - {في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ} [2] ، ويقول - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر: {دخلت امرأةٌ النار في هرَّةٍ ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت} [3] ، وشنع القرآن على الجاهلين أنهم كانوا يشقون آذان الأنعام وعدَّ هذا من وحي الشيطان لهم إذ يقول الله حكايةً عن الشيطان {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [4] . ويروى ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - أنه {نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التحريش بين البهائم} [5] ، وذلك بالإغراء فيما بينها للتقاتل والعراك حتى الموت، [وحتى عند ذبح البهيمة فقد أمر الإسلام بإراحة الذبيحة وحَدِّ الشفرةِ ومواراتها عن عين المذبوحة ونهى أن يذبح حيوانٌ أمام آخر، وما رأت الدنيا عنايةً بالحيوان إلى هذا الحدِّ الذي يفوق الخيال] [6] .

(1) - سورة الأنبياء (107) .

(2) - رواه البخاري في الجامع الصحيح 2363 بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

(3) - أخرجه الألباني في صحيح ابن ماجة 3452 بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

(4) - سورة النساء (119) .

(5) - السنن الكبرى للبيهقي 10/ 22 والحديث مرسل.

(6) - د. يوسف القرضاوى/ الحلال والحرام في الإسلام ص 312 بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت