2 أنه لا يجوز إنكار المنكر حتى يتيقن المنكر، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن يتيقن أنه منكر. والوجه الثاني: أن يتيقن أنه منكر في حق الفاعل، لأن الشيء قد يكون منكرًا في حد ذاته، لكنه ليس منكرًا بالنسبة للفاعل.
3 أنه لابد أن يكون المنكر منكرًا لدى الجميع، فإن كان من الأمور الخلافية فإنه لا ينكر على من يرى أنه ليس بمنكر، إلا إذا كان الخلاف ضعيفًا لا قيمة له، فإنه ينكر على الفاعل، وقد قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلافًا له حظ من النظر
فإن قال قائل: ما موقفنا من العوام، لأن طالب العلم يرى هذا الرأي فلا ننكر عليه، لكن هل نقول للعوام اتبعوا من شئتم من الناس؟
الجواب: لا، العوام سبيلهم سبيل علمائهم، لأنه لو فتح للعامي أن يتخير فيما شاء من أقوال العلماء لحصلت الفوضى التي لا نهاية لها، فنقول: أنت عامي في بلد يرى علماؤه أن هذا الشيء حرام، ولا نقبل منك أن تقول: أنا مقلد للعالم الفلاني أو العالم الفلاني.
وهل قوله:"فَلْيُغَيِّرْهُ بيدهِ"على إطلاقه، بمعنى أنه مع القدرة يغير على كل حال؟
الجواب: لا، إذا خاف في ذلك فتنة فلا يغير، لأن المفاسد يدرأ أعلاها بأدناها، كما لو كان يرى منكرًا يحصل من بعض الأمراء، ويعلم أنه لو غير بيده استطاع، لكنه يحصل بذلك فتنة: إما عليه هو، وإما على أهله، وإما على قرنائه ممن يشاركونه في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهنا نقول: إذا خفت فتنة فلا تغير، لقوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [1]
4 أن اليد هي آلة الفعل، لقوله:"فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ"لأن الغالب أن الأعمال باليد، ولذلك تضاف الأعمال إلى الأيدي في كثير من النصوص.
5 أنه ليس في الدين من حرج، وأن الوجوب مشروط بالاستطاعة، لقوله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وهذه قاعدة عامة في الشريعة، قال الله تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [2] وقال عزّ وجل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم"مَا نَهَيتُكُم عَنهُ فَاجتَنِبوهُ، وَمَا أَمَرتُكُم بِهِ فَأتوا مِنهُ مَا استَطَعتُم"وهذا داخل في الإطار العام أن الدين يسر.
(1) (الأنعام: الآية 108)
(2) (التغابن: الآية 16)
(3) (البقرة: الآية 286)