أحدهما: الحكمة في خلقه: فقد خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته فلا يرى أحد في خلقه خللا ولانقصًا، وحسب العقلاء الحكماء أن يعرفوا كثيرًا من حِكَمه.
والثاني: الحكمة في شرعه وأمره: فقد شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل؛ ليعرفه عباده ويعبدوه، ولاحكمة أجل من هذا؛ فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له، وحمده وشكره، والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق.
وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مضرة خالصة أو راجحة، ومن حكمته تعالى أن ماجاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه وصدق ما جاء به؛ لكونه محكمًا كاملًا لايحصل الصلاح إلا به.
وبالجملة: فالله حكيم في أحكامه القدرية، والشرعية، والجزائية. [1]
وقد أطال ابن القيم في بيان معنى الحكيم ومن ذلك قوله [2] :
وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضًا ماهما عدمان
حكم وأحكام فكل منهما ... نوعان أيضًا ثابتا البرهان
والحكم شرعي وكوني ولا ... يتلازمان وماهما سيان
ورودها في القرآن:
جاء اسم الحكم في قوله تعالى:
{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] .
وجاء الحكيم معرفًا في ثمانية وثلاثين موضعًا قُرن في تسعة وعشرين منها بالعزيز، وفي ستة مواضع بالعليم، وفي ثلاثة منها بالخبير ومن ذلك قوله تعالى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) } [سبأ: 1] .
(1) انظر: الحق الواضح المبين (المجموعة الكاملة 3/ 237 - 239) .
(2) النونية (2/ 218، 219) .