وأقام أنوشروان لبناء الحائط، فبناه وجعله من قبل البحر بالفخر والرصاص، وجعل عرضه ثلاثمائة ذراع وألحقه برءوس الجبال، وأمر أن تحمل الحجارة بالشفن وتغريقها في البحر، حتى إذا ظهرت على وجه الماء بني عليها، فقاد الحائط في البحر ثلاثة أميال، فلما فرغ من بناء السد، جعل على مدخله أبوابة من حديد، وجعل على كل باب منه مائة فارس يحرسونه، وخصص جماعة من ثقاته يراقبون الحراس ويسهرون على أداء واجباتهم في الحراسة، وكانت منطقة الشد تحتاج قبل إنشائه إلى خمسين ألف جندي لحمايتها، فقيل لخاقان ملك الترك بعد إكمال الشد: إنه خدعك وتحضن منك .... فلم يستطع ملك الترك في حينه أن يفعل شيئا.
ولم يكتف أنوشروان بالتحصينات التي أنشأها والمدن والحصون الدفاعية التي أقامها دفاعا عن مملکته تجاه الترك والخزر والروم، بل قشم مملكته ومنها إرمينية تقسيمات إدراية ثابتة، وجعل على كل قسم إداري منها ملكة مسئولا أمامه مباشرة، ليدافع كل ملك (محلي) عن منطقته ما استطاع بقواته المحلية، فإذا أخفق في دفاعه سنده جبرانه بأمر أنوشروان، فإذا استفحل الخطر، زج كسرى بقوات الجيش الساساني في المعركة.
وقد عدد البلاذري تسعة ملوك محليين (1) ، كما ذكر أن كسرى أقز ملوك جبل (القق) وهو جبل القوقاز الكبرى، وصالحهم على الأتاوة. ولم تزل إرمينية في أيدي الفرس حتى ظهر الإسلام، فتخلى السياسيين عن حصونهم ومدائنهم حتى خربت، وغلب الخزر على ما كان في أيديهم من قبل (2) .
فقد أوقف هرقل إمبراطور الروم الزحف المظفر الذي قامت به جيوش الفرس، فاستعاد آسيا الصغرى، وتقدم طاردة جيوش کسري من إرمينية
(1) فتوح البلدان (279 - 277) .
(2) انظر التفاصيل في: فتوح البلدان (273 - 279) .