كان حازمة بحرص غاية الحرص على غرس روح الضبط والطاعة في نفوس رجاله، فقد ذكروا أنه جلد (1) صاحب (دارا) (2) حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم (3) القول حتى غضب عياض. ثم مكث ليالي فأتاه هشام واعتذر إليه، ثم قال: ألم تسمع رسول الله لا يقول: إن من أشد الناس عذابا أشدهم للناس عذابا في الدنيا؟». فقال عياض: قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت. أو لم تسمع رسول الله * يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان عامة فلا يبد له علانية ولكن ليخل به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه (4) وعلى الرغم من إعجابنا الشديد بالروح الإنسانية التي دفعت هشام بن حكيم للدفاع عن إنسان يعذبه الأمير ولو كان هذا الإنسان في ساحة قتال وعلى غير دينه، إلا أن ذلك من جهة ثانية يدل على
(1) كان الفاتحون يقضون قضاءة مبرمة على حياة اعدائهم عند فتح بلادهم، فإذا اكتفى عياض بالجلد فإن ذلك يعثير رحمة منه بالنسبة لأعمال غيره من الفاتحين، ومع ذلك فلم يسكت بعض رجاله عن عمله هذا واعترضوا له
(2) دارا: بلد في الحف الجبل بين نصيبين وماردين، انظر التفاصيل في معجم البلدان (4/ 5) .
(3) هشام بن حكيم الأسدي القرشي: أسلم يوم الفتح ومات قبل أبيه وقيل إنه استشهد في معركة أجنادين، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم ممن بأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يقول إذا بلغه أمر ينكره: «أما ما بقيت أنا وهشام بن حکيم فلا يكون ذلك، وكان هشام في نفر من أهل الشام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ليس لأحد عليهم إمارة، فكانوا يمشون في الأرض بالإصلاح والنصيحة يحتسبون. وكان هشام رضي الله عنه كالسائح لم يتخذ أهلا ولا ولدا. راجع الإصابة (6/ 280) والاستيعاب (4/ 1039) .
(4) أسد الغابة (4/ 190) . هذا إذا كان يستطيع أن يخلو بالسلطان ليبدي له نصحه، وإذا كان السلطان من صحابة رسول الله * ومن ذوي المثل العليا، أما إذا لم يستطع الناصح أن يخلو بالسلطان وكان هذا السلطان بعيدا عن المثل العليا وعن العقيدة الراسخة، فما على الناصح إلا أن يفضي بمكنون فؤاده للناس علانية باي وسيلة من وسائل النشر والإذاعة والإعلان