ولا من خلفه، أما ما يخطه البشر فيتطرق إليه الوهم والخطأ والنسيان، ولكن ما دامت نية المؤرخين المسلمين خالصة لوجه الله تعالى، فلهم أجر إن أخطأوا، ولهم أجران إن أصابوا، لأنهم في حالة خطئهم وفي حالة صوابهم مجتهدون، وحتى إذا أخطأوا فإن نسبة خطتهم إلى صوابهم ضئيل.
ولقد كانت الرقابة النقدية على مختلف الرواة صارمة جدا في العصور الغابرة، فإن الرواة الذين ينحرفون عن طريق الحق عمدة، يسجل عليهم انحرافهم بلا رحمة ولا هوادة، فيقول عنهم النقاد بصراحة وصدق وأمانة: الا يوثق بهم، أو يقولون عن المفتري كذاب، أو لا يؤخذ بقوله».
وحتى في تعابير اللف من أصحاب الرجال والمؤرخين أيضا، كانوا يعبرون عن الذي لا يثقون بكلامه بتعبير: اممم فلان»، بينما يعبرون عن الذي يثقون بكلامه بتعبير: «قال فلان، أو حدثنا فلانه.
ومن طرقهم في التمييز بين الخبر الموثوق به والخبر غير الموثوق به، ذکر سلسلة رواة الخبر، فإذا كان في السلسلة مطعون بصدق روايته أو متهم بالكذب أو التزوير أو الدس، عرف الذين يتلقون الخبر قراءة أو سماعة، أن الخبر مشكوك فيه، بدون أن ينضوا على هذا الشك، فقد كان القراء والسامعون علماء بالرجال، يعرفون الصادق منهم من الكاذب، ويميزون بين الخبيث والطيب، وهذا هو فائدة ذكر سلسلة الرواة مع الخبر الذي نقلوه، فهو في الحقيقة نقد للخبر بصورة غير مباشرة
وفي هذه الأيام، کثيرة ما سمعت بعض الذين يقرأون المعلومات المروية بسلسلة رواتها، يتذمرون من ذكر سلسلة الرواة، ويرون في ذكرها مضيعة للوقت، لأنهم لا يعرفون أسباب ذكر سلسلة الرواة مع تلك المعلومات، ولو كانوا من الذين يعرفون علم الرجال، لما تذمروا ولاستمتعوا بتلاوة سلسلة الرواة أيما استمتاع.
وما أكثر ما حمل إلى قسم من أولئك المتذمرين الذين أسميهم: «قراء آخر الزمان» ، كتابة من الكتب الصفراء. كما يسمونها - تقليدا للحاقدين على