تراثنا الإسلامي العريق، وهم يكادون يطيرون فرحة، لأنهم وجدوا فيه خبرة غير معقول أو يناقض حقائق التاريخ، فأقول لهم: «إن المؤلف عليه رحمة الله نقله مشفوعة بسلسلة رواته، ليقول للقراء: «إنه خبر غير معقول أو مختلق» ، ثم أحمل إليهم أحد كتب الرجال، كميزان الاعتدال، وأقرأ لهم ما جاء فيه من رأي الذهبي بكل واحد من رواة الخبر، وحينذاك فقط يعرفون حكمة المؤلفين القدامى وأمانتهم وصدقهم، ويخجلون من جهلهم بالنسبة العلمائنا الأفذاذ عليهم رحمة الله.
ولست أكتم إعجابي الشديد بعلمائنا القدامى ومؤلفاتهم القيمة التي فيها علم اصيل ونور ساطع يهدي للتي هي أقوم، ولكنني سأضع جانبا هذا الإعجاب مؤقتة، وما ذكرت إعجابي سلفة إلا لعلمي الأكيد بأن الذين لا يقدرون قيمة مؤلفات العلماء المسلمين القديمة المعتمدة. ومنها مصادر التاريخ - سيتهمونني بالتحيز المطلق لتلك الكتب القيمة والمباركة أيضا.
ولست أحكم على تفوق الكتب الإسلامية المعتمدة القديمة، لأنني حصرت نفسي في نطاقها وحدها، بل قرأت الكتب الأجنبية وبخاصة في مجال التاريخ، وأشهد لم أثق بالمصادر الإسلامية المعتمدة هذه الثقة التي لا حدود لها إلا بعد دراستي المتفحصة للمصادر الأجنبية، فوجدت الثريا هنا، والثرى هناك، ووجدت المقارنة بين مصادر المسلمين المعتمدة ومصادر الأجانب مستحيلة إلا إذا كان بالإمكان مقارنة السيف بالعصا والعالم بالجاهل والشجاع بالرعديد والكريم بالبخيل.
ونسأل: لماذا إذا يتعضب قسم من المثقفين العرب والمسلمين للمصادر الأجنبية على المصادر العربية؟
وجوابي الذي يستند على تجربة طويلة لهؤلاء المثقفين، هو أنهم لا يعرفون شيئا عن مصادرنا الأصيلة، وثقافتهم مستقاة من المصادر الأجنبية وحدها، وقد اكتشفت أستاذة جامعية مؤرخة لا يعرف كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري، لأنه حبس نفسه على كتب المستشرقين المريبين، ولا أزيد.