وقد يكون أسلوب الإدارة التي يرتضيها أمية في الحكم غير أسلوب الإدارة التي يرتضيها الحجاج في الحكم، فقد جلس عبد الملك بن مروان يوما وعند رأسه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعند رجليه أمنية شقيق خالد، وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت بين بديه، فقال: هذا والله التوفير وهذه الأمانة! لا ما فعل هذا. وأشار إلى خالد. استعملته على العراق، فاستعمل كل ملط (1) فاسق، فأتوا إليه من العشرة واحدة، وأتى إلي من العشرة واحدة؛ وأستعملت هذا على راسان - وأشار إلى أمية، فأهدى إلي بزذونين حطمين (2) ، فإن استعملتكم ضيعتم، وإن عزلتكم قلتم استخف بنا وقطع أرحامناء. قال خالد بن عبد الله: استعملتني على العراق، وأهله رجلان: سامع مطيع مناصح، وعدو مبغض مكاشح، فأما السامع المطيع المناصح، فإنا جزيناه ليزداد ودة إلى وده، وأما المبغض المكاشح، فإنا دارينا ضغنه، وللنا چقده، وكثرنا لك المودة في صدور رعيتك؛ وإن هذا جئى الأموال، وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال، فيوشك أن تثبت البغضاء، فلا أموال ولا رجال»، فلما خرج ابن الأشعث (3) ، قال عبد الملك: هذا والله ما قال خالد (4) .
والحق أن الوقت الذي تولى فيه أمية خراسان غير الوقت الذي عزل فيه: الأول كان لا بد من المرونة والحكمة الاستئصال جذور الفتنة، والثاني انتهاء الفتنة وإقبال الاستقرار، فاستطاع أمية أن يوفق في استعمال سياسة معينة خلال الوقت الأول، فمن الصعب عليه أن يغير سياسته من حال إلى حال في الوقت الثاني، فلا بد من عزله ليتولى غيره ويفرض سياسته الجديدة المناسبة لذلك الوقت: وقت استباب الأمن، والجماعة، والفتح، واستعادة الفتح.
(1) الملط: اللي يمنع الحق.
(2) حطمين: هزيلين قد اشنا تضعفا.
(3) كان خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في شعبان من سنة التين وثمانين الهجرية
(4) العقد الفريد (4/ 23 - 24) .