ونختهم قرح (1) يركبن ما ركبوا من الكريهة حني بنعل دما في حارة الموت حتى جئ ليله كلا الفريقين ما ولى ولا انهزما (2)
وحين حضرت الوفاة المهلب، دعا حبيبا ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فخرمت، وقال: «أترونكم كاسريها مجتمعة؟، قالوا: لا، قال: باترونكم كاسريها متفرقة؟» ، قالوا: نعم، قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم نسئ في الأجل، وتثري المال، وتغير العدد؛ وأنهاكم عن القطيعة، فإن القطيعة ثقب التار، وتورث الذلة والقلة، فتحابوا وتواصلوا، وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباژوا تجتمغ أموركم. إن بني الأم يختلفون، فكيف ببني العلات (3) وعليكم بالطاعة والجماعة وليكن فعالكم أفضل من قولكم، فإني أحب للرجل أن يكون العمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب ورلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته، ويزل لسانه فيهلك. اعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بدق الرجل وژواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب واصلنعوا العزف، فإن الرجل من العرب تيده اليد، فيموت دوئك، فكيف الصنيعة عندها عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل: أتي الأمر من وجهه، ثم ظفر نحمد، وإن لم يظفر بعد الأناة قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنن، وأدب الطالحين، وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم، وقد استخلف عليكم يزيد، وجعل حبيبة على الجند حتى يقدم بهم على يزيد، فلا تخالفوا يزيده، فقال له المضل: الو لم تقدمه،
القدمناه)
ومات المهلب، وأوصى إلى حبيب، فصلى عليه حبيب، ثم سار إلى (مترو) .
(1) قرح: جمع القارح، والقارح من ذي الحافر: ما إستتم الخامسة من عمره.
(2) الطبري (4/ 301 - 302)
(3) العلات: جمع العلة وهي الرة. وينو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى.