اعترافه على نفسه بالخطأ والعصيان ومخالفة أمر الرحمن ومجانبة الهدى، فمثل هذه الصورة مما كثر فيها الخلاف، هل كفره كفرًا أكبر مخرج من الملة أم لا؟
قال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة تحكيم القوانين صـ 13:"وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أثر ابن عباس ـ رضي الله عنهما لقول الله - عز وجل:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [المائدة: 44] قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله - رضي الله عنه - للآية:"كفر دون كفر"وقوله أيضًا:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه"وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاد أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا إن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من أكبر الكبائر، كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا، أعظم من معصية لم يسمها كفرًا"
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال صـ 72 - 73:"من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور: ـ"
1 -من قال: أنا أحكم بهذا ـ يعني القانون الوضعي ـ لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهو كافر كفرًا أكبر.
2 -ومن قال: أنا أحكم بهذا، لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.
3 -ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.
4 -ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفرًا أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر""
القول الثاني من حكم بغير ما أنزل هوىً وشهوة مع اعتقاده أن الحكم بما أنزل الله هو الحق وهو أحسنها وأحكمها والذي يجب أن يُصار إليه بأنه كافر كفرًا أصغر لا يخرجه من الملة مال إلى هذا القول الشيخ ناصر الدين الألباني وأيضًا شيخنا ابن عثيمين في فتاوى العقيدة صـ 128.
فائدة: من خلال ما سبق استدل أصحاب هذا القول بتفسير ترجمان القرآن الصحابي الجليل ابن عباس - رضي الله عنهم - والصحابة هم خير من يفسر القرآن لأنهم عاصروا التنزيل واستقوا من النبي الكريم وابن عباس رضي الله عنهما إمام في هذا الباب فقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم في (المستدرك) والبيهقي في (السنن) والمروزي في (تعظيم قدر الصلاة) وابن عبد البر في (التمهيد) عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ"