وقد كان من شأن العرب أن يسموا أولادهم بأسماء الجماد والحيوان لما يرون فيها من بعض الصفات النبيلة كتسميتهم صخرا أو حربا أو أسدا أو كلبا أو جحشا أو كعبا، وهم يقصدون بهذه التسمية أولا تمييز الشخص عن غيره؛ لأنه لا بد لكل فرد من اسم يميزه بالعلمية، ويتطلعون أيضا أن تتحقق فيه مستقبلا الوصفية التي تضمنها الاسم، فالذي يسمي ولده صخرا يأمل أن تتوفر فيه صفة القوة والصلابة، والذي يسمي ولده حربا يأمل أن تتوفر فيه صفة الفارس المقاتل والمقدام الهمام، والذي يسميه أسدا أو كلبا أو جحشا أو كعبا يرغب أن تتوفر فيه صفة الشجاعة والجرأة والوفاء والتحمل والعظمة والبقاء، ولذلك كانت أغلب الأسماء التي يسميها العرب مبنية على مراعاة العلمية والرغبة والأمل في حدوث الوصفية كأبي سفيان بن حرب، وعند البخاري تزوج أبو بكر امرأة من كلب (1) ، يعني من بني كلب، وأيضا كان من أمهات المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، ومن الصحابة أبي بن كعب، وكعب بن مالك الذي تخلف عن غزوة تبوك رضي الله عنهم أجمعين، وقد يسمون الجارية زهرة أو غزالا، أو شهدا أو نورا، أو قمرا أو جميلة، وهي سوداء كالليل البهيم أو قبيحة وجها دميم، أو خبيثة الجوهر والمنظر .
والقصد أن الأسماء البشرية يراد بها في الأصل العلمية مع الرغبة في وجود الوصفية وقياس ذلك على أسماء الخلق هو أصل الضلال، ولما خلط أهل الاعتزال بين الأحكام المتعلقة بعالم الغيب وعالم الشهادة، وشبهوا الخالق بالمخلوق حدث اللبس والغموض في مسألة الاسم والمسمى، هل هو عينه أو غيره؟ وهل الصفات زائدة علي الذات أم لا؟ وغير ذلك من القضايا التي زعموا فيها أن التوحيد هو إثبات الأسماء ونفي الصفات وقد تخبطوا هم أنفسهم في فهمها قبل بيانها وشرحها للآخرين .
(1) البخاري في فضائل الصحابة، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة 3/1427 (3706) .