لكن المسلم الموحد صاحب العقيدة الصحيحة لا يجوز له أن يشتق لله من أوصافه وأفعاله ما يشاء من الأسماء، لأنها توقيفية على النص كما سبق، ولأن دورنا حيال أسماء الله الحسنى الإحصاء، ثم الحفظ والدعاء، وليس الاشتقاق والإنشاء، ولعل هذا ما يعنيه من قال من العلماء بأن الأسماء مشتقة من الصفات كقول ابن القيم رحمه الله: ( أسماؤه مشتقة من صفاته وصفاته قديمة به فأسماؤه غير مخلوقة ) (1) ، وكذلك قوله: ( والرب تعالى يُشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء، ولا يُشتق له من مخلوقاته وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به، فلو كان يُشتق له اسم باعتبار المخلوق المنفصل؛ فإنه يُسمى متكونا ومتحركا وساكنا وطويلا وأبيض وغير ذلك لأنه خالق هذه الصفات، فلما لم يطلق عليه اسم من ذلك مع أنه خالقه علم إنما يشتق أسمائه من أفعاله وأوصافه القائمة به، وهو سبحانه لا يتصف بما هو مخلوق منفصل عنه ولا يتسمى باسمه ) (2) .
الجانب الثالث: إذا نظرنا إلى اشتقاق الأسماء والصفات من الجانب اللغوي، فمن جهة اللغة واشتقاق الألفاظ يصح القول بأن الأسماء الحسنى مشتقة من الصفات والأفعال، وأنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، وتسمية النحاة المصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما متضمن للآخر وزيادة، لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال؛ فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما، فالاشتقاق هنا ليس اشتقاقا ماديا، وإنما هو اشتقاق تلازم يسمى المتضمِّن فيه مشتقا، والمتضمَّن مشتقا منه ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى (3) .
(1) شفاء العليل ص 277، ومدارج السالكين 1/37 .
(2) السابق ص 271 .
(3) انظر بتصرف مجموع الفتاوى 17/ 231، وشرح قصيدة ابن القيم 1/12 .