وأخذ الحجاج أعرابيا سرق فأمر بضربه، فلما قرعه السوط قال: يا رب شكرا حتى ضرب سبعمائة سوط، فلقيه أشعب فقال له: تدري لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط؟ قال: لا، قال: لكثرة شكرك، فإن الله يقول: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } [إبراهيم:7] ، قال الأعرابي: وهذا في القرآن؟ قال: نعم، فقال: يا رب لا شكرا فلا تزدن، أسأت في شكري فاعف عنى، باعد ثواب الشاكرين منى (1) ، وسمع أعرابي إماما يقرأ: { وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواَ } [البقرة:221] قرأها بفتح التاء، فقال الأعرابي: ولا إن آمنوا أيضا - يقصد أن اللواط محرم - فقيل له: إنه يلحن وليس هكذا يقرأ؟ فقال: أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما فإنه يحل ما حرم الله (2) .
قال ابن تيمية: ( فخلق كثير من الناس ينفون ألفاظا أو يثبتونها بل ينفون معاني أو يثبتونها ويكون ذلك مستلزما لأمور هي كفر، وهم لا يعلمون بالملازمة بل يتناقضون وما أكثر تناقض الناس لاسيما في هذا الباب، وليس التناقض كفرًا ) (3) ، ثم فصل المسألة وبين أن لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب .
الثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه (4) .
(1) السابق 3/38 .
(2) السابق 3/342 .
(3) مجموع الفتاوى 5/306 .
(4) السابق 29/42، والفتاوى الكبرى 3/ 425 .