والله - عز وجل - من حكمته وعدله أنه جعل الإنسان خليفة في أرضه مستأمنا في ملكه لأنه قبل الأمانة حين رفضتها السماوات والأرض والجبال فقال - عز وجل: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب:72] ، وهنا يظهر مقتضى توحيد العبد لربه في أسمائه وصفاته فالله - عز وجل - استخلف الإنسان في الأرض وهو معه من فوق عرشه محيط به، يتابعه ويراه ويسمعه؛ لكنه بين أن استخلافه في هذه الدار علي وجه الابتلاء والاختبار، وتخويله في الأمانة على وجه الترقب والانتظار، وجزائه عند الحساب إما إلي جنة وإما إلي نار كما قال رب العزة والجلال: { الذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ } [الملك:2] ، وقال - عز وجل: { إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } [الإنسان:3] .
وينبغي التنبه إلى أن استخلاف الإنسان في الأرض ليس عن غيبة المستخلِف كما يتوهم من لم يفهم الآيات علي الوجه الصحيح، حيث ظن أن الإنسان لو كان خليفة لله في الأرض لاقتضى ذلك معاني النقص في حق الله - عز وجل -، وأن الله ما غاب عن ملكه حتى يستخلف غيره، وهذا يصح لو كان استخلافا مطلقا في معاني الربوبية، لكن المقصود هو استخلاف مقيد على سبيل الابتلاء والامتحان، كما أن الاستخلاف وإن اقتضى الغياب بين الناس في العادة إلا أنه في استخلاف الله للإنسان كان السبب المباشر في وجود عالم الغيب وعالم الشهادة، وهذه قضيه كبيرة وحقيقة مثيرة كشفت عنها آيات كثيرة بينتها مفصلة في بحثنا عن الإنسان وبداية الكون .