وهنا أقول وأؤكد إن استخلاف الإنسان في الأرض ترتب عليه تهيئة الكون في مرحلته الأخيرة بحيث يحقق معنى الابتلاء بوجود عالم الغيب والشهادة، ولهذا أيضا هيأ الله الإنسان بمدارك محدودة لا يستطيع تجاوزها، ومن ثم فإن الغيب والشهادة ليس بالنسبة لعلم الله بخلقه ولكن بالنسبة لعلم الإنسان بمخلوقات ربه، وذلك ليظهر مقتضى إيمان العبد بالغيب وتوحيده لله في أسمائه وصفاته، فيوحد الله في اسمه العليم وما دل عليه الاسم من وصف العلم وأن علم الله علم مطلق شامل لكل صغيرة وكبيرة في الخلق كما قال الله - عز وجل: { عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ } [الرعد:8] .
وفي المقابل يقر الموحد بمحدودية علمه ولا يفتن به مهما بلغ شأنه، قال - عز وجل: { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ العِلمِ إِلا قَلِيلا } [الإسراء:85] ، ومطلوب منه أيضا ألا يدعي علم ما لا يخصه مما انفرد الله به كعلم الغيب وأمور التقدير أو الاطلاع على اللوح وما دون فيه من تقرير المصير، قال تعالى: { قُل لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [النمل:65] .