قد يبدو في الظاهر أن بقاء أهل الجنة والنار أبدا متعارض مع إفراد الله - عز وجل - بالبقاء وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن هذا التعارض يزول إذا علمنا أنه لا بد أن نفرق في قضية البقاء والآخرية بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية وبقاء المخلوقات التي أوجدها الله - عز وجل - كالجنة والنار وما فيهما، فالجنة مثلا باقية بإبقاء الله، وما يتجدد فيها من نعيم متوقف في وجوده على مشيئة الله، أما ذاته وصفاته فباقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقاء الله وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله - عز وجل - وكائنة بأمره وهي رهن مشيئة وحكمه؛ فمشيئة الله حاكمة علي ما يبقى فيها وما لا يبقى .
ومن ثم فإن السلف الصالح يعتبرون خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تعالى وإبقاء مستمر لا ينقطع .