دعاء العبادة هو إقرار العبد ويقينه أن الله - عز وجل - هو الذي يقدر الأمور ويدبرها وأن الأسباب التي أظهرها بحكمته هي كالآلة بيد صانعها والله من ورائهم محيط، هو الباطن القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، قال - سبحانه وتعالى: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أأَنْتُمْ تَزْرَعُوَنهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } ، فنسب الزراعة لنفسه مرة لأنه الباطن الذي استتر عن خلقه بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، ونسبها إلينا فقال - عز وجل: { قَال تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا } [يوسف:47] ، فنسب الزراعة إلينا لأنه الظاهر الذي أظهر الأسباب في خلقه تكليفا لهم بالشرائع والأحكام وتمييز الحلال من الحرام .
وعند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالهُ الشَّاعِرُ: أَلا كُل شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِل ) (1) ، فنفي ما سوى الله على اعتبار أنه المتوحد في القدرة الذي احتجب خلف الأسباب، وهو - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن الحياة التي ابتلانا الله بها أسباب حق تؤدي إلى نتائج صدق، ولم يمنعه ذلك أن قال أصدق بيت قاله الشاعر: أَلا كُل شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِل إيثارًا منه للتوحيد وتوحيدا للمتوحد، ويذكر ابن القيم أن التعبد لله باسمه الأول والآخر والظاهر والباطن له رتبتان:
الرتبة الأولى: أن تشهد الأولية منه - سبحانه وتعالى - في كل شيء، والآخرية بعد كل شيء والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء، فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه، فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب جل جلاله ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه .
(1) البخاري في فضائل الصحابة، باب أيام الجاهلية 3/1395 (3628) .