والسبب في ذلك سبب منطقي والتسليم به أمر حتمي، هذا السبب هو وحدة الصنعة والمصدر؛ فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، وهو - عز وجل - أعلم بصناعته لعقل الإنسان، وأعلم بما يصلحه في دار الابتلاء ودار الجزاء، وهو أعلم بما يصلحه في كل زمان ومكان؛ فإذا وضع الحق تبارك وتعالى نظاما دقيقا لصلاح صنعته وألزم الإنسان ببالغ علمه وحكمته أن يعمل بمنهجه وشريعته، كان من المحال أن يضل الإنسان أو يشقى، أو يعيش معيشة ضنكا إذا قدم منهج الله وهدايته على عقله ورؤيته، قال - عز وجل: { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ِ } [طه126:123] .
ومعلوم عند سائر العقلاء أن أولى من يضع النظام لتشغيل المصنوعات مخترعها وصانعها، ولو حدث خلل في التشغيل فذلك إما لسوء المنهج أو عدم الالتزام بالدليل كذلك ولله المثل الأعلى لو حدث تعارض بين العقل والنقل فذلك لسببين لا ثالث لهما إما أن النقل لم يثبت فيتمسك مدعي التعارض بحديث ضعيف أو موضوع وينقلها للناس على أنه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تمحيص، والسبب الثاني في التعارض أن العقل لم يفهم النقل ولم يدرك خطاب الله - عز وجل - على النحو الصحيح .