فهرس الكتاب
هذا هو الكلام في حقيقة الداعية.
ثم قالوا: تلك الحالة المقتضية للترجيح التي نجدها من قولبنا ليست إلا هذه الداعية.
ومن الناس من قال: الميل والإرادة حالة زائدة على هذه الداعية.
واحتجوا عليه بوجهين:
الحجة الأولى: أن الميل يوجد، بدون هذه الداعية. وذلك لأن العطشان إذا خير بين شرب قدحين متساويين من الماء فإنه لا به وأن يرجح أحدهما على الآخر من أجل أنه لا بد وأن يحدث في قلبه ميل إلى أحد القدحين دون الثاني. وهذا الترجيح حاصل. وليس هذا الترجيح إلا عبارة عن الداعية بالتفسير الذي ذكرناه. لأنه لما استوى القدحان في جميع المنافع المعلومة والمظنونة، امتنع أن يكون ذلك الميل الذي هو غير مشترك فيه بينهما هو عين هذا العلم والظن، الذي هو مشتر فيه بينهما.
الحجة الثانية: إنا نجد من أنفسنا أنا متى علمنا أو اعتقدنا أو ظننا اشتمال الفعل على هذه المصلة الزائدة، فإنه يتولد عن ذلك العلم ميل ورغبة وترجيح، ويكون ذلك الميل كالأمر اللازم لذلك الفعل وكالأمر المتولد منه. ولذلك فإن الخصم يقول: أن هذا العلم يدعو لفاعل إلى الفعل، فجعل كون هذا العلم داعيا، كالأمر المتولد منه. فثبت بهذين الوجهين: أن الداعي مغاير للإرادة في حقنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ