فهذا هو الكلام في هذه المقدمة مع أنه ليس لأحد من المتقدمين ولا من المتأخرين خوض فيها بالتقرير والأشكال وبالله التوفيق.
المقدمة الثالثة: من مقدمات برهان اثبات واجب الوجود:
نفى الدور.
والدور: هو أن يحصل موجودان، ممكنان. ويكون كل واحد منها علة لوجود الآخر.
ومن الناس من احتج على فساد ذلك بأن قال: المؤثر متقدم على الأثر بالذات. فلو كان كل واحد منهما مؤثرا في الآخر، لكان كل واحد منها متقدما بالذات على الآخر، فكان كل واحد منهما متقدما على المتقدم على نفسه، والمتقدم على المتقدم على الشيء متقدم على ذلك الشيء، فيلزم كون كل واحد منها مقدما على نفسه بمرتبتين. وذلك محال. لأنه من حيث أنه متقدم يقتضي أن يكون موجودا قبل، ومن حيث أنه متأخر يقتضي أن لا يكون موجودا قبل. وهذا يقتضي أن يكون موجودا قبل، وأن لا يكون موجودا قبل. فيلزم اجتماع العدم والوجود في الشيء الواحد من الوجه الواحد. وهو محال.
واعلم: أن هذه الحجة مبنية على مقدمة مشكلة. وهي اثبات القدم الذاتي. فنقول: ليس المراد من هذا القدم التقدم بالزمان. لأنا قد بينا في أول هذا الكتاب: أن تقدم المؤثر على الأثر لا يجب أن يكون بالزمان، لأن حركة الاصبع علة لحركة الخاتم. مع أن هاتين الحركتين يحصلان معا، ولا تقدم لأحدهما على الأخرى بالزمان البتة.