فهرس الكتاب
لأنا نقول: لما حصل التعارض بين دلائلنا ودلائلكم، فلا بد من التوفيق. وطريقه: أن قولهم: نظرته بمعنى انتظرته، إنما يقال في انتظار مجيء الإنسان بنفسه، أما إذا كان منتظر الرفد أو المعونة. فقد يقال فيه: نظرت إليه. زمنه قولهم: إنما نظري إلى الله، ثم إليك.
فهذا مجموع البحث في هذه المسألة اللفظية.
واعلم: أن الأقرب أن يقال: الأصل في قول القائل: نظرت إليك: تقليب الحدقة نحره. ثم قد يستعمل في الرؤية، من حيث أن تقليب الحدقة سبب للرؤية، ويستعمل أيضا في الانتظار، من حيث أن تقليب الحدقة سبب للانتظار، فإن من انتظر شيئا فإنه يقلب الحدقة نحو الجهة التي ينتظر المقصود منها.
فإذا ما عندي في هذا البحث اللفظي
الفصل الخامس في إقامة الدلالة على أن المؤمنين
يرون الله تعالى يوم القيامة
ويدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] فنقول: النظر أن كان هو الرؤية، فالمطلوب حاصل. وأن كان عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، فنقول: هذا لي في حق الله تعالى محال، فوجب حمل لفظة النظر على الرؤية اطلاقا للفظ السبب على المسبب، فإن النظر سبب للرؤية، ولأن المقصود من تقليب الحقة إنما هو الرؤية.
فإن قيل: لا نسلم أنه حصل في هذه الآية لفظ النظر مقرونا بحرف إلى. وقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] فلا نسلم أن إلى ههنا من حروف الجر، بل هو عندنا اسم. وبيانه من وجهين: