وقد يكون على العكس من ذلك فيكون الراوي المختلف فيه: عند الناقد ثقة ثم يظهر له منه ما يسوِّغ تجريحه، كأن يجد أحاديث خالف فيها الثقات، أو يكون قد طرأ على المختلف فيه طارئ من اختلاط أو آفة أو نحوه فيختل ضبطه، أو يروي أحاديث ليست في أصول شيخه، أو يذكر التصريح بالسماع فيما يجزم الناقد أنه لم يسمع منه، وهلم جرا، وذكر ابن الجنيد في"سؤالاته" (887) أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: ما كان به بأس. فذكر له ابنُ الجنيد أحاديثَ منكرة، فقال ابن معين: إن كان الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيمًا.
وينبغي أن يتنبّه لأمر آخر وهو أنه تختلف عبارات النقّاد في الرواة من حيث التشدد والتوسّط والتساهل وهذا فيما غلب على بعضهم، وليس أنه ملازم له دائما لا يَتَخَلَّفُ عنه، وقد قسّم الحافظ الذهبي مَن تكلم في الرِّجَال أقساما فقال في"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (ص 171 - 172) :
"قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصا فعضّ على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعّف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه إن وافقه ولم يوثق ذلك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسرا يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا هو ضعيف ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متعنتون."
-وقسم في مقابلة هؤلاء كأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي متساهلون.
-وقسم كالبخاري وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وابن عدي معتدلون ومنصفون"."
وقال الحافظ في"النكت على كتاب ابن الصلاح"1/ 75:
"كل - طبقة - من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط:"
فمن الأولى: شعبة وسفيان، وشعبة أشد منه؟