ما كانوا بنفيها عن أنفسهم كاذبين، إذ لا شك أن استطاعة فعل الجهاد لا تنفى من وقت كونهم بالمدينة إلى أن يلقوا العدو ويباشروا القتال، ولما كذبهم دل ذلك أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال.
وثانيها: حقيقة القدرة، وهي عند البعض نوع حده يترتب على إرادة الفعل إرادة جازمة مؤثرة في وجود الفعل، وهي المعنية بقوله تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] ، إذ المراد نفي حقيقة القدرة لا نفي الأسباب والآلات؛ لأنها كانت ثابتة، وإنما المنفي عن حقيقة القدرة التي يتعلق بها الفعل؛ وهذا لأنه إنما ذكر ذلك على وجه الذم لهم، وإنما يلحقهم الذم بعدم حقيقة القدرة عند سلامة الأسباب والآلات لا بعدم الأسباب والآلات؛ لأن انتفاء تلك الاستطاعة لم يكن بتضيع العبد بل هو في ذلك مجبور، فلم يلحقه الذم بالامتناع عن الفعل عند انتفائها، فأما عند عدم حقيقة القدرة فالذم يلحقه؛ لأن عدمها مع سلامة الأسباب والآلات بتضيعه إياها لاشتغاله بضد ما أمر به.
ثم الاستطاعة الثانية مقارنة للفعل؛ لأنها لو تقدمت لاستحال وجودها عند الفعل؛ لأنها عرض، وهو لا يبقى زمانين لما سبق وإذا لم تبقى القدرة إلى زمان