ـ وقسمٌ صارَ في حقهِم نَهَمًا وخَيرَات ومنحا، أما أهل الدِّين الحقِيقي فقد قَابلوا هذه النِّعم وتَلقوها على وجه الشُكر لله والاغتباطِ بفضله وتناولوها على وجه الاستعَانَة بها على طَاعِة المُنعِم وعلموا أنها من أكبرِ الوسائل لهم إلى رضَى رَبِّهم وخيرِه وثوابِه إذا استعملوها فيما هُيِّئت له وخلِقَت لأجله وقَد رضوا بها عَن الله كل الرضَى، فإنَّهم عَلموا أنها من عندِ الله الذي له الحِكمة التَّامة في جَميع أقضيته وأقدارِه، وله الرَّحمَة الواسِعَة في جميعِ تدابيرِه، وله النِّعمة السابِغَة في كل عطاياه وهو أرحَم بِهم من الخَلق أجمعين فحيث عَلموا العِلم اليقيني صدورها ممن هَذا شَأنه قنعوا بما أُعطوه منها، من قَليل وكثيرٍ، كل القَنَاعَة، وسكنت قلوبُهم عن التطلُّعِ والتطلُّبِ لما لم يقدَّر لهم.
ومتى حَصلت الطمأنينَة والقَناعة والرضَى عن الله بما أعطى فقد حَصَلت الحياة الطيبة، فإذا أدركْتَ حقَّ الإدراكِ نَعتهم هذا عرفتَ أن نَعيم الدنيا في الحقيقة هو نَعيم القَناعة برزق الله، وطمأنينة القلوبِ بذكر الله وطاعتِه، وأن الواحد مِن هؤلاء لو لم يكن عنده من هَذه الأمور - وهي القُوة والصحَة والمال والأهل والوَلَد وتَوابِع ذَلك - إلا الشيء القَليل لكَان في راحةٍ وسرورٍ من جِهتَين:
ـ جهة القناعةِ وعَدم تطلع النَّفس وتَشَوقها للأمورِ التي لم تَحصُل.