والفارقُ بين الرجلين هو الدِّينُ، فصاحبُ الدِّين منبسطُ النفَّسِ، مطْمئنُّ القَلبِ .. فقَدَ تبينَّ لك أن السعادَةَ واللذة الحقيقيةَ بجميعِ أنواعِها تابعةٌ للدينِ ..
"أنواع الدين"
واعلم يا أخي أَنَّ الدين نوعَان:
أحدهما: أعمالٌ وأحوالٌ وأخلاقٌ دينيةٌ ودنيويةٌ، وكما ذكرنا أنه لا سبيل إلى حصول الحياةِ الطيبةِ إلا بالدين ..
والثاني: علومٌ ومعارفٌ نافعةٌ، وهي علومُ الشَّرع والدِّين، وما يعينُ عليها ويُتَوصَّلُ إليها بهِ، فالاشتغالُ بها من أجلِّ العباداتِ، وحصُولُ ثمرتِها من أكملِ اللَّذَّاتِ، ولا يُشبهه شيءٌ من اللذاتِ الدنيويةِ، واعتبر ذلك بحالِ الراغِبِين في العِلمِ تجدُ أَكَثَر أوقاتِهم مصروفةً في تحصيلِ العلمِ، فيمضي الوقتُ الطويلُ، وصاحبهُ مستغرقٌ فيه يتمنى امتدادَ الزمن، وهذا عنوانُ اللّذةِ، فإن المشتاقَ يَقصُرُ عنده الوَقْتُ الطَّويلُ، ومن ضاق صدرهُ بشيء يطولُ عليه الوقتُ القَصِيرُ.
"فضل العلم"
وصاحبُ العلمِ في كُلِّ وقْتٍ مستفيدٌ علوماً يزداد بها إيمانُه، وتكملُ بها أخلاقهُ، والمتصفحُ للكُتُبِ النافعة، لا يزالُ يعرضُ على ذِهنِه عُقُول الأولِّين والآخرِين ومعارفهم وأحوالهم الحميدةُ، وضدُها، في ذلك معتبرٌ لأولي الألباب .. فكم من قصَّةٍ تمر عليك في الكُتُبِ تكتسبُ بها عقلاً جديدًا، وتُسَلِّيك عند المصائبِ، بما جرى على الفضلاءِ، وكيف تلقوها بالرِّضا والتسليمِ واغتنموا الأجر من العليمِ الحكيم.
والعلمُ يُعرِّفُك طرقًا تُدركُ بها المطالِبَ، وتَدفعُ بها المَكَارِه والمَضَارَّ.
"أنواع العقل"
والعقلُ عقلان: عقل غَريزِيٌّ، وهو ما وضَعَه الله في الإنسان من قُوةِ الذِّهنِ في أمُورِ الدِّين والدُّنْيا، وعقلٌ مكتسبٌ، إذا انضم إلى العقلِ الغَريزِيِّ ازدادَ صاحبُه حَزمًا وبَصيرةً، فكما أنَّ العقلَ الغَريزيَّ ينمو بنمو الإنسان حتى يبلغَ أشُدَّه، فكذلك العقل المكتسب له مادتان للنمو: