سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لما سعي غلام الخليل بالصوفية إِلَى الخليفة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فَإِنَّهُ تستر بالفقه وَكَانَ يفتى عَلَى مذهب أَبِي ثورة وَأَمَّا الشحام والرقام والنوري وجماعة فقبض عَلَيْهِم فبسط النطع لضرب أعناقهم فتقدم النوري فَقَالَ السياف: تدري إِلَى ماذا تبادر؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: وَمَا يعجلك؟: فَقَالَ: أوثر عَلَى أَصْحَابي محياة ساعة، فتحير السياف وأنهى الْخَبَر إِلَى الخليفة فردهم إِلَى الْقَاضِي ليتعرف حالهم، فألقى الْقَاضِي عَلَى أَبِي الْحُسَيْن النوري مسائل فقهية فأجابه عَنِ الكل ثُمَّ أخذ يَقُول: وبعد فَإِن لِلَّهِ تَعَالَى عباد إِذَا قاموا قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله وسرد ألفاظا أبكى الْقَاضِي، فأرسل الْقَاضِي إِلَى الخليفة وَقَالَ: إِن كَانَ هَؤُلاءِ زنادقة فَمَا عَلَى وجه الأَرْض مُسْلِم.
وقيل: كَانَ عَلِي بْن الفضيل يشتري من باعة المحلة فقيل لَهُ: لو دخلت السوق فاسترخصت، فَقَالَ: هَؤُلاءِ نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا.
وقيل: بعث رجل إِلَى جبلة بجارية وَكَانَ بَيْنَ أَصْحَابه فَقَالَ: قبيح أَن أتخذها لنفسي وأنتم حضور وأكره أَن أخص بِهَا واحدا وكلكم لَهُ حق وحرمة، وَهَذَهِ لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين، فأمر لكل واحد بجارية أَوْ وصيف.
وقيل: عطش عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة يوما فِي طريقة فاستسقى من منزل امْرَأَة فأخرجت كوزا وقامت خلف الباب وَقَالَتْ: تنحوا عَنِ الباب وليأخذه بَعْض غلمانكم فإني امْرَأَة من العرب مَات خادمي منذ أَيَّام فشرب عُبَيْد اللَّه الماء وَقَالَ لغلامه: أحمل إِلَيْهَا عشرة آلاف درهم فَقَالَتْ: سبحان اللَّه تسخر بي فَقَالَ: أحمل إِلَيْهَا عشرين ألف
درهم فَقَالَتْ: اسأل اللَّه تَعَالَى العافية فَقَالَ: يا غلام احمل إِلَيْهَا ثلاثين ألف درهم فردت الباب وَقَالَتْ: أف لَك فحمل إِلَيْهَا ثلاثين ألف درهم فأخذتها فَمَا أمست حَتَّى كثر خطابها.
وقيل: الجود إجابة الخاطر الأَوَّل.
سمعت بَعْض أَصْحَاب أَبِي الْحَسَن البوشنجي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي فِي الخلاء فدعا تلميذا لَهُ وَقَالَ لَهُ: انزع عنى هَذَا القميص وادفعه إِلَى فُلان فقيل لَهُ: هلا صبرت حَتَّى تخرج من الخلاء؟ فَقَالَ: لَمْ آمن عَلَى نفسي أَن يتغير عَلِي مَا وقع لي من التخلف منه بِذَلِكَ القميص.