وقد مضت هذه القصة وقصة مقتل كعب بن الأشرف ،
فلمّا قتل كعب أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالسير إلى بني النضير ، وكانوا بقرية لهم يقال لها: زهرة ، فلمّا سار إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب ، وكان سيّدهم ، فقالوا: يا محمّد ، واعية على إثر واعية ، وباكية على إثر باكية؟ قال:"نعم". قالوا: ذرنا نبكي بشجونا ثم ائتمرنا أمرك . فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم"اخرجوا من المدينة".
قالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك.
فتنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال ، ودسّ المنافقون: عبد الله بن أُبّي وأصحابه إليهم أّلا تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم ، ولئن أُخرجتم لنخرجنّ معكم فدربوا على الأزقة وحصونها . ثم أجمعوا الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه: اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك ، وليخرج منا ثلاثون رجلا حتى نلتقي بمكان نَصَف بيننا وبينكم ، فيسمعوا منك ، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا كلّنا.
فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود ، حتى إذا كانوا في بَراز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلّهم يحبّ أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون رجلا ، اخرج في ثلاثة من أصحابك ، ونخرج لك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك ، فإن آمنوا بك آمنّا كلّنا وصدّقناك.