وقد شاءت حكمة الله - تعالت عظمته - أن يختص العاجز الفقير - صاحب هذه السطور - بإلهام منه وتوفيق لاختيار القسم الثالث وهو الإطناب في جمْعِ هذه المادة النفيسة تتميما وتعميما للفائدة (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ) .
وقد جاء القرآن الكريم بالأقسام الثلاثة في كثير من المواضع، فعلى سبيل المثال من يتأمل ويتدبر في قصة موسى - عليه السلام - يجدها قد استغرقت نصف سورة الأعراف تقريبا، وفي سورة طه والشعراء والنمل والقصص جاءت بالتوسط، وفي سورة النازعات ذُكرت بالإيجاز.
وكل ذلك محل إتقان وإعجاز.
وهذا يشبه - ولو من بعض الوجوه - ما ذكره البلاغيون عن الإيجاز والمساواة والإطناب.
فـ (الإيجاز) : كما عرفه بعض البلاغيين: هو وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل، مع وفائها بالغرض المقصود ورعاية الإبانة والإفصاح فيها.
و (الإطناب) : زيادة اللفظ على المعنى لفائدة.
و (المساواة) : تساوي اللفظ والمعنى، فيما لم يكن داع للإيجاز والإطناب.
كما أنه إذا لم تف العبارة بالغرض سمّي: (إخلالًا) .
وإذا زاد على الغرض بدون داع سمّي: (تطويلًا)
فمثال الإيجاز، قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)
ومثال الإطناب، قوله: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه: 18)
ومثال المساواة، قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء: من الآية: 13) .
ومثال الإخلال، قول اليشكري:
والعيش خير في الظلا ... ل النوك ممّن عاش كدًّا
أراد: أن العيش الرغد حال الحمق، أفضل من العيش النكد في ظلال العقل، وهذا إخلال.
ومثال التطويل، قول ابن مالك:
كذا إذا عاد عليه مضمر ... مما به عنه مبينًا يخبر