فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 766

(فصل)

من لم يعرف نَفسه كَيفَ يعرف خالقه، فَاعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق فِي صدرك بَيْتا وَهُوَ الْقلب وَوضع فِي صَدره عرشا لمعرفته يَسْتَوِي عَلَيْهِ الْمثل الْأَعْلَى فَهُوَ مستو على عَرْشه بِذَاتِهِ بَائِن من خلقه والمثل الْأَعْلَى من مَعْرفَته ومحبته وتوحيده مستو على سَرِير الْقلب وعَلى السرير بِسَاط من الرِّضَا وَوضع عَن يَمِينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره وَفتح إِلَيْهِ بَابا من جنَّة رَحمته والأنس بِهِ والشوق إِلَى لِقَائِه وأمطره من وابل كَلَامه مَا أنبت فِيهِ أَصْنَاف الرياحين وَالْأَشْجَار المثمرة من أَنْوَاع الطَّاعَات والتهليل وَالتَّسْبِيح والتحميد وَالتَّقْدِيس وَجعل فِي وسط الْبُسْتَان شَجَرَة معرفَة فَهِيَ تُؤْتِي أكلهَا كل حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا من الْمحبَّة والإنابة والخشية والفرح بِهِ والابتهاج بِقُرْبِهِ وأجرى إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة مَا يسقيها من تَدْبِير كَلَامه وفهمه وَالْعَمَل بوصاياه وعلّق فِي ذَلِك الْبَيْت قِنْدِيلًا أسرجه بضياء مَعْرفَته وَالْإِيمَان بِهِ وتوحيده فَهُوَ يستمد من شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تمسسه نَار ثمَّ أحَاط عَلَيْهِ حَائِطا يمنعهُ من دُخُول الْآفَات والمفسدين وَمن يُؤْذِي الْبُسْتَان فَلَا يلْحقهُ إِذا هم وَأقَام عَلَيْهِ حرسا من الْمَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ فِي يقظته ومنامه ثمَّ أعلم صَاحب الْبَيْت والبستان بالساكن فِيهِ فَهُوَ دَائِما همه إصْلَاح السكن وَلم شعثه ليرضاه السَّاكِن منزلا، وَإِذا أحس بِأَدْنَى شعث فِي السكن بَادر إِلَى إِصْلَاحه ولمّه خشيَة انْتِقَال السَّاكِن مِنْهُ، فَنعم السَّاكِن وَنعم الْمسكن.

فسبحان الله رب الْعَالمين كم بَين هَذَا الْبَيْت وَبَيت قد استولى عَلَيْهِ الخراب، وَصَارَ مأوى للحشرات والهوام، ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فِيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت