فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 766

وَكَذَلِكَ إذا كَانَ سائرا فِي طَرِيق فَقيل لَهُ إِن بهَا قطاعا ولصوصا يقتلُون من وجدوه وَيَأْخُذُونَ مَتَاعه فإنه لَا يسلكها إلا على أحد وَجْهَيْن:

إما أن لَا يصدق الْمخبر، وَإِمَّا أن يَثِق من نَفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عَلَيْهِم وآلاف فَمَعَ تَصْدِيقه للْخَبَر تَصْدِيقًا لَا يتمارى فِيهِ وَعلمه من نَفسه بضعفه وعجزه عَن مقاومتهم فَإِنَّهُ لَا يسلكها وَلَو حصل لَهُ هَذَانِ العلمان فِيمَا يرتكبه من إيثار الدُّنْيَا وشهواتها لم يقدم على ذَلِك فَعلم أن إيثاره للعاجلة وَترك استعداده للآخرة لَا يكون قطّ مَعَ كَمَال تَصْدِيقه وإيمانه أبدا.

الْحَالة الثَّانِيَة أن يتَيَقَّن ويجزم جزما لَا شكّ فِيهِ بِأَن لَهُ دَارا غير هَذِه الدَّار ومعادا لَهُ خلق وأن هَذِه الدَّار طَرِيق إلى ذَلِك الْمعَاد ومنزل من منَازِل السائرين إليه وَيعلم مَعَ ذَلِك أنها بَاقِيَة وَنَعِيمهَا وعذابها لَا يَزُول وَلَا نِسْبَة لهَذَا النَّعيم وَالْعَذَاب العاجل إليه إِلَّا كَمَا يدْخل الرجل أصبعه فِي اليم ثمَّ يَنْزِعهَا فَالَّذِي تعلق بهَا مِنْهُ هُوَ كالدنيا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخرة فيثمر لَهُ هَذَا الْعلم إيثار الآخرة وطلبها والاستعداد التَّام لَهَا وأن يسْعَى لَهَا سعيها، وَهَذَا يسْعَى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا، وَهَذِه معَان مُتَقَارِبَة تَجْتَمِع فِي شَيْء وتتفرق فِي آخر وَيُسمى تفكرا لأنه اسْتِعْمَال الفكرة فِي ذَلِك وإحضاره عِنْده وَيُسمى تذكرا لأنه إحضار للْعلم الَّذِي يجب مراعاته بعد ذُهُوله وغيبته عَنهُ وَمِنْه قوله تَعَالَى: {إن الَّذين اتَّقوا إذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا فَإِذا هم مبصرون}

وَيُسمى نظرا لأنه الْتِفَات بِالْقَلْبِ إلى المنظور فِيهِ وَيُسمى تأملا لأنه مُرَاجعَة للنَّظَر كرة بعد كرة حَتَّى يتجلى لَهُ وينكشف لِقَلْبِهِ وَيُسمى اعْتِبَارا وَهُوَ افتعال من العبور لأنه يعبر مِنْهُ إلى غَيره فيعبر من ذَلِك الَّذِي قد فكر فِيهِ إلى معرفَة ثَالِثَة وَهِي الْمَقْصُود من الِاعْتِبَار وَلِهَذَا يُسمى عِبْرَة وَهِي على بِنَاء الْحَالَات كالجلسة وَالركبَة والقتلة إيذانا بِأَن هَذَا الْعلم والمعرفة قد صَار حَالا لصَاحبه يعبر مِنْهُ إلى الْمَقْصُود بِهِ وَقَالَ الله تَعَالَى {إن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى}

وَقَالَ {إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الأبصار}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت