فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 766

(فصل)

إِذا عرف هَذَا فالفكر هُوَ إحضار معرفتين فِي الْقلب ليستثمر مِنْهُمَا معرفَة ثَالِثَة.

وَمِثَال ذَلِك إِذا أحضر فِي قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وَمَا يقْتَرن بِهِ من الآفات وانقطاعه وزواله ثمَّ أحضر فِي قلبه الآخرة وَنَعِيمهَا ولذته ودوامه وفضله على نعيم الدُّنْيَا وَجزم بِهَذَيْنِ العلمين أثمر لَهُ ذَلِك علما ثَالِثا وَهُوَ أن الآخرة وَنَعِيمهَا الْفَاضِل الدَّائِم أولى عِنْد كل عَاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة، ثمَّ لَهُ فِي معرفَة الآخرة حالتان:

إحداهما أن يكون قد سمع ذَلِك من غَيره من غير أن يُبَاشر قلبه برد الْيَقِين بِهِ، وَلم يفض قلبه إلى مكافحة حَقِيقَة الآخرة، وَهَذَا حَال أَكثر النَّاس فيتجاذبه داعيان:

أحدهما دَاعِي العاجلة وإيثارها وَهُوَ أقوى الداعيين عِنْده، لأنه مشَاهد لَهُ محسوس.

وداعي الآخرة وَهُوَ أضعف الداعيين عِنْده لأنه دَاع عَن سَماع لم يُبَاشر قلبه الْيَقِين بِهِ، وَلَا كافحه حَقِيقَته العلمية فَإِذا ترك العاجلة للآخرة تريه نَفسه بأنه قد ترك مَعْلُوما لمظنون أو متحققا لموهوم فلسان الْحَال يُنَادي عَلَيْهِ لَا أدع ذرة منقودة لدرة موعودة.

وَهَذِه الآفة هِيَ الَّتِي منعت النُّفُوس من الاستعداد للآخرة وأن يسْعَى لَهَا سعيها وَهِي من ضعف الْعلم بهَا وتيقنها، وَإِلَّا فَمَعَ الْجَزْم التَّام الَّذِي لَا يخالج الْقلب فِيهِ شكّ لَا يَقع التهاون بهَا وَعدم الرَّغْبَة فِيهَا وَلِهَذَا لَو قدم لرجل طَعَام فِي غَايَة الطّيب واللذة وَهُوَ شَدِيد الْحَاجة إليه ثمَّ قيل لَهُ إِنَّه مَسْمُوم فَإِنَّهُ لَا يقدم عَلَيْهِ لعلمه بِأَن سوء مَا تجني عَاقِبَة تنَاوله تربو فِي الْمضرَّة على لَذَّة أكله فَمَا بَال الإيمان بالآخرة لَا يكون فِي قلبه بِهَذِهِ الْمنزلَة ما ذاك إلا لضعف شَجَرَة الْعلم والإيمان بهَا فِي الْقلب وَعدم استقرارها فِيهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت