وَكَذَلِكَ إِذا ورد على قلبه وَارِد الرَّاحَة والدعة والكسل والتقاعد عَن مشقة الطَّاعَات وتعبها حَتَّى عبر بفكره إلى مَا يترب عَلَيْهَا من اللَّذَّات والخيرات والأفراح الَّتِي تغمر تِلْكَ الآلام الَّتِي فِي مباديها بِالنِّسْبَةِ إلى كَمَال عواقبها وَكلما غاص فكره فِي ذَلِك اشْتَدَّ طلبه لَهَا وَسَهل عَلَيْهِ معاناتها اسْتَقْبلهَا بنشاط وَقُوَّة وعزيمة وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي مُنْتَهى مَا يستعبده من المَال والجاه والصور وَنظر إلى غَايَة ذَلِك بِعَين فكره اسْتَحى من عقله وَنَفسه أن يكون عبدا لذَلِك كَمَا قيل:
لَو فكر العاشق فِي مُنْتَهى ... حسن الَّذِي يسبيه لم يسبه
وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي آخر الأطعمة المفتخرة الَّتِي تفانت عَلَيْهَا نفوس اشباه الأنعام وَمَا يصير أمرها إليه عِنْد خُرُوجهَا ارْتَفَعت همته عَن صرفهَا إلى الاعتناء بهَا وَجعلهَا معبود قلبه الَّذِي إليه يتَوَجَّه وَله يرضى ويغضب وَيسْعَى ويكدح ويوالي ويعادي كَمَا جَاءَ فِي الْمسند عَن النَّبِي أنه قَالَ
"إِن الله جعل طَعَام ابْن آدم مثل الدُّنْيَا وَإِن قزحه ملحه فَإِنَّهُ يعلم إلى مَا يصير"
أوْ كَمَا قَالَ.
فَإِذا وَقع فكره على عَاقِبَة ذَلِك وَآخر أمره وَكَانَت نَفسه حرَّة أبيه ربأ بها أن يَجْعَلهَا عبدا لما آخِره أنتن شَيْء وأخبثه وأفحشه.