وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَكْعَتَانِ مقتصدتان فِي تفكر خير من قيام لَيْلَة بِلَا قلب
وَقَالَ أبو سُلَيْمَان الْفِكر فِي الدُّنْيَا حجاب عَن الآخرة وعقوبة لأهل الْولَايَة والفكرة فِي الآخرة تورث الْحِكْمَة وتجلي الْقُلُوب
وَقَالَ ابْن عَبَّاس التفكر فِي الْخَيْر يَدْعُو إلى الْعَمَل بِهِ
وَقَالَ الْحسن أن أهل الْعلم لم يزَالُوا يعودون بِالذكر على الْفِكر والفكر على الذّكر ويناطقون الْقُلُوب حَتَّى نطقت بالحكمة
وَمن كَلَام الشَّافِعِي اسْتَعِينُوا على الْكَلَام بِالصَّمْتِ وعَلى الاستنباط بالفكرة، وَهَذَا لأن الفكرة عمل الْقلب وَالْعِبَادَة عمل الجوارج وَالْقلب أشرف من الْجَوَارِح فَكَانَ عمله أشرف من عمل الْجَوَارِح وأيضا فالتفكر يُوقع صَاحبه من الإيمان على مَا لا يوقعه عَلَيْهِ الْعَمَل الْمُجَرّد فإن التفكر يُوجب لَهُ من انكشاف حقائق الأمور وظهورها لَهُ وتميز مراتبها فِي الْخَيْر وَالشَّر وَمَعْرِفَة مفضولها من فاضلها واقبحها من قبيحها وَمَعْرِفَة أسبابها الموصلة إليها وَمَا يُقَاوم تِلْكَ الأسباب وَيدْفَع مُوجبهَا والتمييز بَين مَا يَنْبَغِي السَّعْي فِي تصحيله وَبَين مَا يَنْبَغِي السَّعْي فِي دفع أسبابه وَالْفرق بَين الْوَهم والخيال الْمَانِع لأكثر النُّفُوس من انتهاز الفرص بعد إمكانها وَبَين السَّبَب الْمَانِع حَقِيقَة فيشتغل بِهِ دون الأول فَمَا قطع العَبْد عَن كَمَاله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قَاطع أعظم من الْوَهم الْغَالِب على النَّفس والخيال الَّذِي هُوَ مركبها بل بحرها الَّذِي لَا تنفك سابحة فِيهِ، وَإِنَّمَا يقطع هَذَا الْعَارِض بفكرة صَحِيحَة وعزم صَادِق يُمَيّز بِهِ بَين الْوَهم والحقيقة، وَكَذَلِكَ إِذا فكر فِي عواقب الأمور وَتجَاوز فكره مباديها وَضعهَا موَاضعهَا وَعلم مراتبها فَإِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد الذَّنب والشهوة فَتَجَاوز فكره لذته وَفَرح النَّفس بِهِ إلى سوء عاقبته وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الألم والحزن الَّذِي لَا يُقَاوم تِلْكَ اللَّذَّة والفرحة وَمن فكر فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يكَاد يقدم عَلَيْهِ.