فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 766

وَبِالْجُمْلَةِ فَأصل كل طَاعَة إِنَّمَا هِيَ الْفِكر وَكَذَلِكَ أصل كل مَعْصِيّة إِنَّمَا يحدث من جَانب الفكرة فَإِن الشَّيْطَان يُصَادف أرْض الْقلب خَالِيَة فارغة فيبذر فِيهَا حب الأفكار الردية فيتولد مِنْهُ الأرادات والعزوم فيتولد مِنْهَا الْعَمَل فَإِذا صَادف أرْض الْقلب مَشْغُولَة ببذر الأفكار النافعة فِيمَا خلق لَهُ وَفِيمَا أمر بِهِ وفيم هيء لَهُ وَاعد لَهُ من النَّعيم الْمُقِيم أوْ الْعَذَاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وَهَذَا كَمَا قيل:

أتاني هَواهَا قبل أن اعرف الْهوى ... فصادف قلبا فَارغًا فتمكنا

فإن قيل فقد ذكرْتُمْ الْفِكر ومنفعته وَعظم تَأْثِيره فِي الْخَيْر وَالشَّر فَمَا مُتَعَلّقه الَّذِي يَنْبَغِي أن يُوقع عَلَيْهِ ويجري فِيهِ فإنه لَا يتم الْمَقْصُود مِنْهُ إلا بِذكر مُتَعَلّقه الَّذِي يَقع الْفِكر فِيهِ وإلا ففكر بِغَيْر متفكر فِيهِ محَال؟

قيل مجْرى الْفِكر ومتعلقه أربعة أمور:

أحدها غَايَة محبوبة مُرَادة الْحُصُول

الثَّانِي طَرِيق موصلة إلى تِلْكَ الْغَايَة

الثَّالِث مضرَّة مَطْلُوبَة الإعدام مَكْرُوهَة الْحُصُول

الرَّابِع الطَّرِيق المفضي إليها الْموقع عَلَيْهَا فَلَا تتجاوز أفكار الْعُقَلَاء هَذِه الأمور الأربعة.

وَأي فكر تخطاها فَهُوَ من الأفكار الردية والخيالات والأماني الْبَاطِلَة كَمَا يتخيل الْفَقِير المعدم نَفسه من أغنى الْبشر وَهُوَ يَأْخُذ وَيُعْطِي وينعم وَيحرم وكما يتخيل الْعَاجِز نَفسه من أقوى الْمُلُوك وَهُوَ يتَصَرَّف فِي الْبِلَاد والرعية وَنَظِير ذَلِك من أفكار الْقُلُوب الباطولية الَّتِي من جنس أفكار السَّكْرَان والمحشوش والضعيف الْعقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت