فالأفكار الردية هِيَ قوت الأنفس الخسيسة الَّتِي هِيَ فِي غَايَة الدناءة فَإِنَّهَا قد قنعت بالخيال ورضيت بالمحال ثمَّ لَا تزَال هَذِه الاأفكار تقوى بهَا وتتزايد حَتَّى توجب لَهَا آثارا ردية ووساوس وأمراضا بطيئة الزَّوَال، وَإِذا كَانَ الْفِكر النافع لَا يخرج عَن الأقسام الأربعة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَلهُ أيضا محلان ومنزلان أحدهما هَذِه الدَّار والآخر دَار الْقَرار، فأبناء الدُّنْيَا الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الآخرة من خلاق عمروا بيُوت أفكارهم بِتِلْكَ الأقسام الأربعة فِي هَذِه الدَّار فأثمرت لَهُم أفكارهم فِيهَا مَا أثمرت وَلَكِن إِذا حقت الْحَقَائِق وَبَطلَت الدُّنْيَا وَقَامَت الآخرة تبين الرابح من المغبون وخسر هُنَالك المبطلون.
وَأَبْنَاء الآخرة الَّذين خلقُوا لَهَا عمروا بيُوت أفكارهم على تِلْكَ الأقسام الأربعة فِيهَا وَنحن نفصل ذَلِك بعون الله وفضله فَنَقُول كل طَالب لشَيْء فَهُوَ محب لَهُ مُؤثر لقُرْبه ساع فِي طَرِيق تَحْصِيله متوصل إليه بِجهْدِهِ وَهَذَا يُوجب لَهُ تعلق أفكاره بِجَمَال محبوبه وكماله وَصِفَاته الَّتِي يحب لأجلها وتعلقها بِمَا يَنَالهُ بِهِ من الْخَيْر والفرح وَالسُّرُور ففكره فِي حَال محبوبه دائر بَين الْجمال والاجمال وَالْحسن والإحسان فَكلما قويت محبته ازْدَادَ هَذَا الْفِكر وقوى وتضاعف حَتَّى يسْتَغْرق أجزاء الْقلب فَلَا يبْقى فِيهِ فضل لغيره بل يصير بَين النَّاس بقالبه وَقَلبه كُله فِي حَضْرَة محبوبه فَإِن كَانَ هَذَا المحبوب هُوَ المحبوب الْحق الَّذِي لَا تنبغي الْمحبَّة إِلَّا لَهُ وَلَا يحب غَيره إِلَّا تبعا لمحبته فَهُوَ أسْعَدْ المحبين بِهِ وَقد وضع الْحبّ مَوْضِعه وتهيأت نَفسه لكمالها الَّذِي خلقت لَهُ وَالَّذِي لَا كَمَال لَهَا بِدُونِهِ بِوَجْه وإن كَانَت تِلْكَ الْمحبَّة لغيره من المحبوبات الْبَاطِلَة المتلاشية الَّتِي تفنى وَتبقى حزازات الْقُلُوب بهَا على حَالهَا فقد وضع الْمحبَّة فِي غير موضعهَا وظلم نَفسه أعظم ظلم وأقبحه وتهيأت بذلك نَفسه لغاية شقائها وألمها وَإِذا عرف هَذَا عرف أن تعلق الْمحبَّة بِغَيْر الإله الْحق هُوَ عين شقاء العَبْد وخسرانه فأفكفاره الْمُتَعَلّقَة بهَا كلهَا بَاطِلَة وَهِي مضرَّة عَلَيْهِ فِي حَيَاته وبعدموته والمحب الَّذِي قد ملك المحبوب أفكار قلبه لَا يخرج فكره عَن تعلقه بمحبوبه أوْ بِنَفسِهِ ثمَّ فكره فِي محبوبه لَا يخرج عَن حالتين