فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 766

(فصل)

ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره

مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}

والتكاثر في كل شيء فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها

فصل: ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح إن شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله يعجب الزراع وإنما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين

ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه كما قال على بن أبي طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك في الثرى أم بمضاجع أمهاتك في البلاء كم رأيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت