فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 766

وقال في (مفتاح دار السعادة)

ثبت في الصحيحين عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «اللّهمَّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مستقيم.

وفي بعض السُّنن أنه كان يكبّر تكبيرة الإحرام في صلاة الليل ثم يدعو بهذا الدعاء.

والهداية هي العلم بالحق مع قصده وإيثاره على غيره فالمهتدي هو العامل بالحق المُريد له وهي أعظم نعمة لله على العبد ولهذا أمرنا سبحانه أن نسأله هداية الصراط المستقيم كل يوم وليلة في صلواتنا الخمس فإن العبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يُرضي الله في كل حركة ظاهرة وباطنة فإذا عرفها فهو محتاج إلى مَن يلهمه قصد الحق فيجعل إرادته في قلبه ثم إلى مَن يقدّره على فعله ومعلوم أن ما يجهله العبد أضعاف أضعاف ما يعلمه وأن كل ما يعلم أنه حق لا تطاوعه نفسه على إرادته ولو أراده لعجز عن كثير منه فهو مضطر كل وقت إلى هداية تتعلق بالماضي وبالحال والمستقبل.

أما الماضي فهو محتاج إلى محاسبة نفسه عليه وهل وقع على السّداد فيشكر الله عليه ويستديمه أم خرج فيه عن الحق فيتوب إلى الله تعالى منه ويستغفره ويعزم على أن لا يعود. وأما الهداية في الحال فهي مطلوبة منه فإنه ابن وقته فيحتاج أن يعلم حكم ما هو متلبّس به من الأفعال هل هو صواب أم خطأ. وأما المستقبل فحاجته في الهداية أظهر ليكون سيره على الطريق.

وإذا كان هذا شأن الهداية علم أن العبد أشدّ شيء اضطراراً إليها وأن ما يورده بعض الناس من السؤال الفاسد وهي أنّا إذا كنّا مهتدين فأيّ حاجة بنا أن نسأل الله أن يهدينا وهل هذا إلاّ تحصيل الحاصل أفسد سؤال وأبعده عن الصواب وهو دليل على أن صاحبه لم يحصل معنى الهداية ولا أحاط علماً بحقيقتها ومسمّاها فلذلك تكلّف مَن تكلّف الجواب عنه بأن المعنى ثبّتنا على الهداية وأدِمها لنا ومَن أحاط علماً بحقيقة الهداية وحاجة العبد إليها علم أن الذي لم يحصل له منها أضعاف ما حصل له وأنه كل وقت محتاج إلى هداية متجدّدة لا سيما والله تعالى خالق أفعال القلوب والجوارح فهو كل وقت محتاج أن يخلق الله له هداية خاصّة ثم إن لم يصرف عنه الموانع والصوارف التي تمنع موجب الهداية وتصرفها لم ينتفع بالهداية ولم يتمّ مقصودها له فإن الحكم لا يكفي فيه وجود مقتضيه، بل لا بدّ مع ذلك من عدم مانعه ومنافيه. ومعلوم أن وساوس العبد وخواطره وشهوات الغيّ في قلبه كلٌّ منها مانع وصول أثر الهداية إليه فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتدِ هدًى تامّاً فحاجاته إلى هداية الله له مقرونة بأنفاسه وهي أعظم حاجة للعبد. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء العظيم القدر من أوصاف الله وربوبيته ما يناسب المطلوب فإن فطر السماوات والأرض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها فذكر كونه فاطر السماوات والأرض والمطلوب تعليم الحق والتوفيق له فذكر علمه سبحانه بالغيب والشهادة وأن مَن هو بكل شيء عليم جدير أن يطلب منه عبده أن يعلّمه ويرشدة ويهديه وهو بمنزلة التوسّل إلى الغني بغناه وسِعَة كرمه أن يعطي عبده شيئاً من ماله والتوسّل إلى الغفور بسِعَة مغفرته أن يغفر لعبده وبعفوه أن يعفو عنه وبرحمته أن يرحمه ونظائر ذلك وذكر ربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل وهذا والله أعلم لأن المطلوب هدًى يحيا به القلب وهؤلاء الثلاثة الأملاك قد جعل الله تعالى على أيديهم أسباب حياة العباد، أما جبريل فهو صاحب الوحي الذي يوحيه الله إلى الأنبياء وهو سبب حياة الدنيا والآخرة. وأما ميكائيل فهو موكل بالقطر الذي به سبب حياة كل شيء. وأما إسرافيل فهو الذي ينفخ في الصور فيُحيي الله الموتى بنفخته فإذا هم قيام لربّ العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت