فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 766

والهداية لها أربع مراتب وهي مذكورة في القرآن. المرتبة الأولى الهداية العامّة وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والآدمي لمصالحه التي بها قام أمره قال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} فذكر أموراً أربعة: الخلق والتسوية والتقدير والهداية فسوّى خلقه وأتقنه وأحكمه ثم قدّر له أسباب مصالحه في معاشه وتقلباته وتصرفاته وهداه إليها والهداية تعليم فذكر أنه الذي خلق وعلم كما ذكر نظير ذلك في أول سورة أنزلها على رسوله وقد تقدّم ذلك.

وقال تعالى حكاية عن عدوّه فرعون أنه قال لموسى: {فَمَن رَّبُّكُمَا يمُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وهذه المرتبة أسبق مراتب الهداية وأعمّها. المرتبة الثانية هداية البيان والدلالة التي اقام بها حجّته على عباده وهذه لا تستلزم الاهتداء التامّ.

قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} يعني بيّناً لهم ودللناهم وعرّفناهم فآثروا الضلالة والعمى.

وقال تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} . وهذه المرتبة أخصّ من الأولى وأعمّ من ا لثانية. وهي هدى التوفيق والإلهام.

قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فعمّ بالدعوة خلقه وخصّ بالهداية مَن شاء منهم.

قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} مع قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فأثبت هداية الدعوة والبيان ونفى هداية التوفيق والإلهام.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تشهّد الحاجة: «مَن يهدِ الله فلا مُضِلّ له ومَن يضلل فلا هادي له» .

وقال تعالى: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} أي مَن يضلّه الله لا يهتدي أبداً وهذه الهداية الثالثة هي الهداية الموجبة المستلزمة للاهتداء.

وأما الثانية فشرط لا موجب فلا يستحيل تخلّف الهدى عنها بخلاف الثالثة فإن تخلّف الهدى عنها مستحيل.

المرتبة الرابعة الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة والنار.

قال تعالى: {احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} .

وأما قول أهل الجنة: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} فيحتمل أن يكونوا أرادوا الهداية إلى طريق الجنة وأن يكونوا أرادوا الهداية في الدنيا التي أوصلتهم إلى دار النعيم، ولو قيل إن كِلا الأمرين مراد لهم وإنهم حمدوا الله على هدايته لهم في الدنيا وهدايتهم إلى طريق الجنة كان أحسن وأبلغ. وقد ضرب الله تعالى لمَن لم يحصل له العلم بالحق واتّباعه مثلاً مطابقاً لحاله: فقال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت