النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقة النجاة والهلاك، وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام، فإنها سبب وشرط لا موجب، ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} (فصلت: الآية 41) أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا. ومنها قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: 93) .
النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها، وهي المذكورة في قوله: {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} (النحل: الآية 93) وفي قوله: {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} (النحل: الآية 37) وفي قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له» ، وفي قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} (القصص: الآية 56) فنفى عنه هذه الهداية
وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: الآية 52) ـ
الرابع: غاية هذه الهداية، وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (يونس: الآية 9) وقال أهل الجنة فيها: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} (الأعراف: الآية 43) .
وقال تعالى عن أهل النار: {احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (الصافات: الآيتان 22 ـ 23) .
إذا عرف هذا فالهداية المسؤولة في قوله الصراط المستقيم إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة، فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام.
فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له، وكذلك الإلهام والتوفيق؟ قيل: هذه هي المسألة الثامنة عشرة.
وقد أجاب عنها من أجاب بأن المراد التثبيت ودوام الهداية، ولقد أجاب وما أجاب، وذكر فرعاً لا قوام له بدون أصله، وثمرة لا وجود لها بدون حاملها، ونحن نبين بحمد الله أن الأمر فوق ماأجاب به وأعظم من ذلك بحول الله.