فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 291

أما العمل مع الذوات إذا كانت أسبابًا للشر، فيجوز عمل يتعلق بالقلب، وعمل يتعلق بالجو راح.

فأما ما يتعلق بالقلب فهو كراهية هذا الشيء، وأما ما يتعلق بالجوارح فهو الترك والانتقال.

الآية الثانية: قوله تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19] .

طائركم: أي ما قدر وقضي عليكم.

معكم: بسببكم، فما حصل لكم من شرور ومن حالة سيئة فهو سبب معاصيكم.

ومن الآيتين نستنتج أن عادة الجاهلية هي التشاؤم بالأشخاص الذين ليسوا سببًا للشر.

حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» أخرجاه.

زاد مسلم «ولا نوء، ولا غول» .

لا: نافية للجنس تحتاج إلى اسم وخبر.

عدوى: اسمها، وخبرها محذوف تقديره: هذا يترتب على معرفة دلالة النفي، هل هو للتأثير أو للوجود؟

والتقدير هنا: لا عدوى مؤثرة بذاتها، فالمنفي: التأثير الذاتي والسببية المستقلة.

أما كونها سببًا إذا شاء الله فهذا صحيح، وأما أنها سبب إذا شاءت هي فهذا ليس بصحيح.

وليس النفي للحقيقة.

ولذا جاء عند البخاري معلقًا مرفوعًا «فر من المجذوم فرارك من الأسد» وجاء في

الصحيح «نهى أن يورد ممرض على مصح» وما ذلك إلا أنها تؤثر؛ ولكن إذا شاء الله.

وأما عادة الجاهلية فكانوا يعتقدون أن العدوى تنتقل بذاتها، فنفي هذا الاعتقاد.

وهنا إشكال وهو: أليس باعتبار الواقع إذا جاء سليم وصاحب مريضًا انتقل المرض وهي العدوى؟

الجواب: ليس دائمًا، بل أحيانًا ينتقل وأحيانًا لا ينتقل. فلو كانت مؤثرة تأثير استقلال لكانت دائمًا ناقلة للمرض.

مسألة: هل يجب الانتقال من أماكن الخطر؟

بحثنا أن الفرار من أماكن الخطر ليس من التطير لقوله - صلى الله عليه وسلم: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» .

لكن هل يجب الخروج من الأماكن الخطرة؟

نقول: الخروج جائز ومباح، ويجوز لمن وثق بنفسه وقوي توكله يجوز له البقاء، ويجوز الإقدام على الأماكن الخطرة. لا سيما إذا كان هناك مصلحة عامة أو خاصة، ولذا جاء عند أحمد وأبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد المجذوم وأكل معه وقال: «باسم الله ثقة وتوكلًا على الله» وخالد بن الوليد شرب السم، وكان في ذلك مصلحة عامة في دخول بعض الناس في الإسلام.

ومشى سعد بن أبي وقاص على البحر.

إلا أنه يستثنى الطاعون، فلا يقدم على بلدة هو فيها؛ لفعل الصحابة في طاعون عمواس.

وهل هو خاص بالطاعون أم أنه يقاس عليه أسباب الشهادة إذا انعقدت، كما ورد في المجاهد يقف في الصف للقتال، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت