فهرس الكتاب
المسألة الحادية عشرة:
وينسحب هذا التقسيم الثنائي وهو الآثار الثابتة والآثار الوهمية على بقية النجوم والكواكب، وإنما أفردنا الشمس والقمر للأهمية، فما ثبت من جهة الشرع أو القدر أن له أثر فلا مانع من إثباته، أما الإدعاء بأن النجوم لها آثار معنوية، كالشقاوة والسعادة إلى غير ذلك، فهذا منفي ويدل عليه حديث «لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته» ، فنفى الآثار المعنوية.
ولو قال قائل: الدعوى أعم من الدليل، فالدليل في الشمس والقمر، وأنتم قلتم في النجوم والكواكب؟
نقول: فيه دليل يدل على الجميع، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة الذي مرّ علينا في باب التطير «لا عدوى ولا طيرة» زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول» الشاهد قوله: «ولا نوء» فلا: نافية، والمنفي التأثير، أي: لا نوء مؤثر. ولذا لو اختلف مختلفان أحدهما يُثبت التأثير والآخر ينفي التأثير، فإن الدليل مع النافي لعموم قوله: «ولا نوء» . أو شككنا في الأثر فالأصل النفي.
تنبيه: هناك ما يسمى «عبّاد الشمس» ويذكرون أنها تتبع الشمس، فهي تتأثر باتجاه الشمس، ومناقشة هذه القضية من ناحيتين:
1 -إن ثبت هذا من الناحية العملية والواقعية فلا مانع من إثبات هذا الأثر، ويكون خروج الشمس سببًا في دورانه، مثل ما يلاحظ على بعض النباتات أن أوراقها إذا طلعت الشمس وسطعت عليها اتسع انفتاحها، وإذا غابت ضاق الاتساع.
2 -تنازعهم في التسمية، فإن تسميته"بعباد الشمس"لا يجوز؛ لأنه لا يجوز تعبيد المخلوق لغير الله. كما قال ابن حزم: «اتفقوا على تحريم كل اسم مُعبِد لغير الله» فهذا النبات عبد الله سبحانه وتعالى، وجعله عبدًا للشمس هذا لا يجوز، وإنما يسمى باسم جائز، كاسم متتبع الشمس أو ملاحق الشمس أو دوّار الشمس ونحوها.
قال المصنف: قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: «خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به» . اهـ.
هذا يسمى معلقًا في الاصطلاح، وصيغة التعليق: «قال قتادة» : وهذه من صيغ الجزم، وصيغة التمريض مثل"قيل". «وقتادة» : هو ابن دعامة السدوسي، وهو من صغار التابعين، وكلام قتادة يعتبر اصطلاحًا: مقطوعًا.
قوله: «خلق الله» : أي الخالق المعبود.
قوله: «هذه النجوم» : الألف واللام: للعهد الحضوري.
وقوله: «لثلاث» : اللام للتعليل، فعلة خلق النجوم ثلاثة أمور: وهي كونها زينة، ورجومًا، وعلامات.
وهل هذا حصر؟
لا. ليس حصرًا. فإن ثبت فوائد وعلل أخرى فلا مانع من إثباتها.
العلة الأولى: زينة السماء.
والزينة: هي ما يدعو إلى النظر، وهي جمال.
وقوله"للسماء": يقصد السماء الدنيا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: 5] .
الثانية: رجومًا للشياطين: أي يقذف بها الشياطين، ويقصد بالشياطين هنا: مسترقي السمع.