وتفسيرها هنا: ليس منا أي: من المؤمنين الكاملين. فالنفي لكمال الإيمان الواجب لا لأصله؛ لأن الإجماع منعقد على أن من فعل المعاصي والكبائر لا يخرج من الدين، ولكن يخرج من كمال الإيمان الواجب.
ضرب الخدود وشق الجيوب: هذه أمثلة على عدم صبر الجوارح، وتدل باللازم على عدم صبر القلب لحديث: «إن في القلب مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» .
إلا أنه يعفى عن اليسير من الكلام، وهذا هو الجمع المناسب مع قول فاطمة «يا أبتاه إلى جبريل ننعاه» وهذا إذا كان القول صدقًا.
دعا بدعوى الجاهلية: كالدعوة للقومية والعصبية والتجمع للأحلاف على أساس المصالح.
وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له بالعقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» .
فيه مسائل:
إذا أراد الله: فيه إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى.
بعبده: هل يقصد بالإضافة العموم أم هي إضافة تشريف؟
المقصود هنا والله أعلم عبده المؤمن المتذلل له بالطاعة، فتكون الإضافة إضافة تشريف؛ بدليل أن المؤمن هو موضع الخير وهو الذي يحب الله له الخير، أما الكافر فإن الله لا يحب الكافرين.
الخير: هل المراد به هنا تكفير الذنوب أم رفع الدرجات والثواب؟
الذي يبدو لي: الأول أن المقصود بالخير هو تكفير الذنوب.
المسألة الثانية: هل المصائب كفارات أم رافعة للدرجات؟
فيه تفصيل:
فقد تكون مكفرة فقط أو قد تكون رافعة. من جهة كونه يصبر فقط فهي مكفرة؛ بشرط ألا يتضمن ترك واجب أو فعل محرم.
أما من جهة ما تورثه المصيبة من رضى واستغفار وشكر فهي رافعة للدرجات. فيكون الخلاصة: أن المصائب مع الصبر مكفرة بشروطها، ومع الرضى والشكر رافعة. وكونها مكفرة يدل عليه حديث أنس، وكونها رافعة يدل عليه آخر الحديث، وكونها مكفرة للسيئات هو مضمون كلام ابن تيمية وابن القيم، ولذا فإن الخير هنا يراد به التكفير.
وقوله في الحديث «عجل له العقوبة» .
اللام في «له» : للاستحقاق، وتدل أيضًا على الاختصاص؛ لأن المجرم يُؤاخذ بذنبه. وهل غيره يأتيه شيء من هذه العقوبة؟
الحديث قال: «له» : فأخرج غيره لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 16] {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] لكن الغير إن تسبب أو رضي أو أعان فهذا يعتبر كسبًا منه.
قوله: «العقوبة» : بمعنى البلايا والمصائب من مرض أو فقر فيصبر فيحصل له الخير.
وهل يدخل في ذلك العقوبات المعنوية، كالنفاق، والإعراض عن الخير، وضيق الصدر قال تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ